في العرف السياسي العراقي لا شيء يعلو فوق صوت المحاصصة إلا عندما يقرر قانون التقاعد أن يمارس صلاحياته السحرية فجأة .. تصريح خاطف ولكنه ملغوم بالفلسفة الفكرية والتاريخية يخرج الخلاف السياسي حول منصب رئيس هيئة الحشد الشعبي من أروقة الصفقات المغلقة ليرميه في أحضان أعمار الأنبياء..يقال لنا اليوم إن الجهات السياسية أبرأ من دم ابن يعقوب في مسألة إبعاد فالح الفياض وأن القضية برمتها لا تعدو كونها تطبيقا صارما ونزيها جدا لقوانين الخدمة والتقاعد التي حددت أعمار الموظفين واللافت في هذا الاستشهاد هو استحضار النبي نوح عليه السلام فالتحدي اليوم مطروح بوضوح ائتوا بقانون كان يسري على شيخ الأنبياء الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما لكي نجدد للفياض الذي تجاوز السبعين..يا لها من مفارقة تدعو للضحك فنحن في بلد تنتهك فيه القوانين وتطوع البنود وتفصل الدساتير على مقاس المصلحة السياسية صباح مساء لكن عندما يصل الأمر إلى كرسي رئيس الهيئة يصحو فجأة ضمير القانون الإداري وتتحول المادة الخاصة بالسن القانوني للتقاعد إلى نص مقدس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه
المضحك المبكي أن النبي نوحا كان يبني السفينة لإنقاذ قومه من الطوفان أما في واقعنا السياسي فإن كل طرف يرى في القانون سفينة نوح الخاصة به يركبها عندما يريد الإطاحة بخصمه تحت بند تجاوز السن القانوني ويتركها في العراء عندما يريد التجديد لحلفائه حتى لو تجاوزوا عمر نبي الله آدم!!..
إنها دراما إدارية بامتياز قانون التقاعد الذي صمت دهرا عن آلاف الخروقات والمحسوبيات يصحو اليوم .. القانون لا يرحم الكبار أما المواطن المغلوب على أمره فيجلس على رصيف الانتظار يتأمل متسائلا : لماذا لا يصار الى تكليف شخصية عسكرية مهنية من المشهود لها بالكفاءة والنزاهة والشجاعة لقيادة الحشد تحت مظلة القوات المسلحة وابعاده عن التجاذبات السياسية وجعله مؤسسة بادارة عسكرية بعيدة عن التحزب والصراعات السياسية ؟؟

