سؤال بمليارات الدولارات يتردد في الشارع العراقي كلما فُتحت شاشة التلفاز: كيف لمنظومة إعلامية ضخمة مثل الإعلام العراقي تملك عشرات القنوات الفضائية ذات الإنتاج الباذخ أن تستمر وتتوسع في بلد يُعاني اقتصاده وتتردى فيه الخدمات؟إنها ليست مجرد شاشات تُبث بل هي إمبراطوريات تمويلية كاملة تعمل بكلفة تشغيلية خيالية تتضمن:
• اشتراك الأقمار الصناعية (Nilesat, Arabsat وغيرها): مئات الآلاف من الدولارات سنوياً لحجز ترددات البث HD و 4K.
• البنية التحتية والمقرات: استئجار وبناء مقرات فخمة ومكاتب داخل العراق وفي مدن كبرى مثل دبي وعمان وإستانبول مزودة بأحدث التجهيزات والكاميرات التي تُقدر بالملايين.
• الكوادر ورواتب نجوم الشاشة: رواتب خيالية لمقدمي البرامج والإعلاميين الكبار تصل لآلاف الدولارات شهرياً إلى جانب أجور مراسلين ومكاتب ممتدة في محافظات العراق والعالم.
• موازنات البرامج والاستضافات: مبالغ ضخمة تُصرف على استضافة المحللين السياسيين والفنانين فضلاً عن إنتاج المسلسلات والبرامج الترفيهية والإخبارية.
الحسبة البسيطة: كم تُكلف القناة الواحدة؟
لو أجرينا حسبة رياضية تقديرية مبسطة :
• التكلفة التشغيلية الشهرية للقناة المتوسطة إلى الكبيرة: تتراوح بين 150,000 إلى 500,000 دولار شهرياً (شاملة الرواتب البث الإيجارات وصيانة المعدات).
• في السنة الواحدة (ضرب 12 شهراً): تتراوح التكلفة للقناة الواحدة بين 1.8 مليون إلى 6 ملايين دولار سنوياً.
• مجموع القنوات الفضائية: إذا ضربنا هذا الرقم بعشرات الفضائيات الناشطة فإن المنظومة الفضائية العراقية تستهلك مئات الملايين من الدولارات سنوياً!
من أين يُغطى هذا الحجم الخيالي من النفقات؟
في الوقت الذي تعتمد فيه وسائل الإعلام العالمية على سوق الإعلانات والاشتراكات يشهد سوق الإعلانات التجاري في العراق حجماً محدوداً لا يمكنه بأي حال من الأحوال تغطية كلفة قناة واحدة فكيف بعشرات الفضائيات؟ هنا يبرز السؤال الجوهري وتتحدد مصادر التمويل عبر عدة روافد:
1. المال السياسي والموازنات الحزبية: أغلب الفضائيات هي أذرع إعلامية لأحزاب وقوى سياسية تُسخر المال العام أو موازناتها الخاصة لدعم خطابها وحمايتها في المواسم الانتخابية والأزمات السياسية.
2. عقود الرعاية والصفقات المشبوهة: التمويل الذي يأتي تحت غطاء عقود رعاية أو مشاريع تجارية تُدار من خلف الستار لتمرير الأموال وتبييضها.
3. شبكات الابتزاز والتسقيط: التمويل غير المعلن القائم على إعلام الابتزاز حيث تُدفع أموال لغلق ملفات أو لتوجيه حملات تسقيط ضد منافسين وسياسيين وتجار.
4. التمويل والإسناد الخارجي: أجندات إقليمية ودولية تمول منصات فضائية لتوجيه الرأي العام وتطبيق استراتيجيات التأثير والنفوذ.
الحساب المؤجل
إن السخاء الفاحش على استوديوهات ومعدات وأجور الضيوف والمذيعين لا يعكس عافية إعلامية بقدر ما يعكس حجم الأموال التي تُهدر خارج إطار الشفافية والرقابة. وحين يُطالب المواطن بالحساب والتوضيح يظل الجواب مفقوداً خلف كواليس الأرقام السرية لتظل الشاشة العراقية ساحة صراع مالي وسياسي يُدفع حسابه من قوت الشعب ومستقبل البلاد.“
من أين لكم هذا ؟ الإمبراطوريات الفضائية العراقية وثقب التمويل الأسود | بقلم: حسين الأسدي




