هناك أشخاص لا نشتاق إليهم بالقدر الذي يستحقونه لا لأننا لا نحبهم بل لأننا مطمئنون إلى وجودهم.
نؤجل الاتصال بهم ونختصر الحديث معهم ونَعِدهم بزيارة لا تأتي ونقول في أنفسنا: غداً.
ففي أعماقنا اعتقاد خفي بأنهم سيبقون في أماكنهم وأن أصواتهم ستظل في الجهة الأخرى من الهاتف وأن أبواب بيوتهم ستُفتح لنا كلما قررنا أخيراً أن نطرقها.
نحن لا نهملهم عمداً لكننا نعامل وجودهم كأنه أمر مضمون.
الأم التي تتصل كثيراً فنقول لها: سأتحدث معك لاحقاً.
الأب الذي يعيد الحكاية نفسها فنستمع إلى نصفها وننشغل عن النصف الآخر.
الصديق القديم الذي نؤجل لقاءه لأن بيننا من العمر ما يكفي لنعتقد أن شهراً آخر لن يصنع فرقاً.
والجدّة التي تسأل السؤال ذاته كل مرة فنجيبها على عجل ولا ندرك أن السؤال لم يكن مهماً أصلاً كان مجرد حيلة صغيرة لتُبقي الحديث معنا أطول.
الغريب أننا نعرف جيداً أن الأشياء لا تدوم ومع ذلك نعيش كأن بعض البشر مستثنون من هذه القاعدة.
نخشى خسارة المال فنحافظ عليه ونخشى ضياع الصور فنحفظ منها نسخاً ونخشى فقدان الملفات فنضعها في أكثر من مكان لكننا لا نفعل الشيء نفسه مع الذين نحبهم.
نطمئن إلى وجودهم حتى يصبح الاطمئنان نفسه سبباً في تقصيرنا معهم.
ربما لأن الفقد بالنسبة إلينا فكرة بعيدة ما دام أصحابها يتحركون أمامنا.
لا نفكر في قيمة صوت أبي ما دام يجيب حين نناديه ولا في دفء يد أم ما دامت تمتد إلينا كل يوم ولا في ضحكة صديق ما دمنا نعتقد أن بإمكاننا سماعها متى شئنا.
الأشياء المتاحة تفقد شيئاً من قدرتها على إدهاشنا حتى لو كانت أثمن ما نملك.
ثم يحدث أحياناً ما لا نضعه في جدول الغد.
يرن الهاتف لكن ليس بالصوت الذي اعتدناه.
يُفتح الباب ولا يكون الشخص الذي نبحث عنه خلفه.
ندخل غرفة بقي فيها كل شيء تقريباً كما كان الكرسي النظارة فنجان لم يعد صاحبه يحتاج إليه وربما ثوب ما زالت فيه رائحة خفيفة لا نعرف كيف نحافظ عليها.
وفجأة تتحول التفاصيل التي لم نكن ننتبه إليها إلى كنوز.
نبحث عن تسجيل صوتي قصير.
نعود إلى محادثة قديمة.
نكبّر صورة عادية التُقطت بلا مناسبة.
نتذكر مكالمة رفضناها لأننا كنا مشغولين وزيارة أجّلناها وجملة قلنا إننا سنقولها في وقت أفضل.
لكن بعض الكلمات لها أعمار أيضاً.
وإذا تأخرنا كثيراً قد يأتي يوم تبقى فيه الكلمة موجودة… ولا يبقى الشخص الذي كان ينبغي أن يسمعها.
والمؤلم في الفقد ليس الغياب وحده.
المؤلم أن الذاكرة تمتلك قدرة قاسية على استعادة التفاصيل التي لم نمنحها قيمتها في وقتها.
نتذكر آخر مكالمة وآخر لقاء وآخر مرة قيل لنا فيها: «متى تأتينا؟» ثم نكتشف أن كلمة «لاحقاً» التي قلناها ببساطة أصبحت أثقل كلمة في الحكاية.
نحن بارعون في الحزن على الناس بعد رحيلهم.
نكتب عنهم أجمل الكلمات ننشر صورهم نستعيد مواقفهم ونروي للآخرين كم كانوا استثنائيين.
لكن السؤال الذي يستحق أن يؤلمنا قليلاً هو: هل عرفوا ذلك وهم بيننا؟
هل قلنا للأم إن وجودها يجعل البيت مختلفاً قبل أن يصبح كرسيها فارغاً؟
هل أخبرنا الأب أننا فهمنا ولو متأخرين كم أخفى من التعب كي تبدو حياتنا أسهل؟
هل قلنا للصديق القديم إننا ما زلنا نحتفظ له بالمكان نفسه رغم انشغالات العمر؟
لماذا نمتلك كل هذه البلاغة بعد الغياب ونصبح فقراء إلى الكلمات أمام الحاضرين؟
ربما لأن الموت يجعل قيمة الإنسان واضحة دفعة واحدة بينما الحياة اليومية تخفي هذه القيمة تحت الاعتياد.
وهنا تكمن الخديعة.
نحن نظن أن نقيض الحب هو الكراهية بينما قد يكون الاعتياد أحياناً أكثر قسوة أن تحب شخصاً كثيراً لكنك تعتاد وجوده إلى درجة أنك تتوقف عن الاحتفاء به أن يصبح جزءاً ثابتاً من المشهد فلا تراه كما ينبغي إلا عندما يغيب.
ولا يعني ذلك أن نعيش خائفين من فقد من نحب ولا أن نحوّل كل وداع إلى مأتم صغير الحياة لا تُعاش بهذه الطريقة.
لكن ربما علينا أن نتوقف عن التعامل مع البشر كأنهم مواعيد يمكن تأجيلها بلا نهاية.
أن نجيب على بعض المكالمات التي لا تحمل خبراً مهماً.
أن نجلس دقائق إضافية مع شخص مسن يعيد الحكاية نفسها لأن الحكاية بالنسبة إليه قد تكون أقل أهمية من وجودنا أمامه.
أن نزور من نقول منذ أشهر إننا سنزوره.
أن نقول «أحبك» و«شكراً» و«اشتقت إليك» و«سامحني» في الوقت الذي تستطيع فيه هذه الكلمات أن تصل إلى قلب حي لا أن نكتبها لاحقاً تحت صورة سوداء.
فالندم لا يبدأ دائماً من الأشياء السيئة التي فعلناها.
أحياناً يبدأ من الأشياء الجميلة التي كان بإمكاننا فعلها… ولم نفعلها.
وفي النهاية قد لا تكون أكبر خساراتنا أولئك الذين رحلوا فالموت حقيقة لا يستطيع أحد منا إيقافها.
ربما تكون خسارتنا الأكبر هي الأيام التي كانوا فيها معنا وكان بإمكاننا أن نحبهم بصورة أوضح ونصغي إليهم أكثر ونمنحهم من وقتنا أقل القليل… لكننا كنا مشغولين في انتظار غدٍ ظنناه مضموناً.
لذلك عندما تنتهي من قراءة هذه الكلمات لا تبحث بعيداً عن فكرتها.
فكّر فقط في شخص تحبه وتؤجل منذ مدة اتصالاً به أو زيارة له أو كلمة جميلة يستحق سماعها.
ثم تذكّر:
بعض الناس لا يحتاجون منا رثاءً جميلاً بعد رحيلهم… بل يحتاجون حباً واضحاً قبل أن يرحلوا.
رنا مناف




