في وقت تسابق فيه الأمم الزمن لبناء اقتصاديات معرفية وصناعية متطورة وتستثمر الأراضي الخضراء لتحقيق أمنها الغذائي تقف بلدنا مكبلة أمام شاشات أسعار النفط العالمية مشهد يتكرر منذ عقود دون أدنى تحرك مسؤول.. أزمة مالية تلو الأخرى يتبعها تلويح بعجز الموازنة وتأخير لرواتب الموظفين وسط غياب تام لرجال الدولة الحقيقيين الملتزمين بالإصلاح والتنمية..وقد تجسد هذا الفشل في الأرقام المرعبة التي كشف عنها الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي والتي أظهرت مؤشرات مالية مقلقة حيث أفاد بأن إجمالي الإيرادات النفطية وغير النفطية للعراق لم يغط سوى ستة وسبعين بالمئة من فاتورة الرواتب والرعاية الاجتماعية خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي وأوضح المرسومي أن النفقات المخصصة للأجور وشبكة الحماية الاجتماعية بلغت واحدا وخمسين تريليون دينار بينما انخفضت الإيرادات العامة الكلية إلى تسعة وثلاثين تريليونا فقط وهو ما يفسر اتساع فجوة العجز الفعلي في الخزينة بمعدل كارثي يتجاوز أربعة تريليونات دينار شهريا..لقد اختزلت الطبقة الاقتصادية والسياسية المقدرات الثمينة لهذا الوطن في أسهل المعادلتين استخراج النفط وبيعه ثم تحويل وارداته إلى سيولة مالية يعاد توزيعها على شكل رواتب لقطاع عام متضخم ومتهالك.. اقتصاد ريعي بامتياز مكشوف بالكامل أمام تقلبات السوق العالمية إن ارتفعت الأسعار عاشت الدولة في رفاهية زائفة وإن انخفضت خيم الخوف والجوع على الجميع حتى أصبحت الإيرادات العاجزة لا تغطي حتى الموازنة التشغيلية.. احتضار القطاع الصناعي المصانع والمعامل التابعة للدولة وباتت هياكل خاوية يكسوها الغبار بينما جرى تسليم السوق المحلية بالكامل للبضائع المستوردة مما أدى إلى تجريف رأس المال الوطني للخارج وحرمان آلاف الشباب والمهندسين من فرص العمل
إن الاكتفاء بضخ أموال النفط في بند الرواتب دون خلق قيمة مضافة أو توجيه جزء استثماري حقيقي نحو الصناعة والزراعة ليس مجرد سوء إدارة بل هو جرم بحق المستقبل والأجيال القادمة لقد تحول الاقتصاد إلى قنبلة موقوتة يتجلى خطرها اليوم في هذا العجز الشهري المرتفع الذي يعري الميزانية.


