لم يعد السؤال عن موقع العراق من الصراع الإيراني–الأميركي مجرد ترفٍ تحليلي تدور حوله السجالات في المقاهي والندوات العامة؛ بل تحول إلى “عقدة وجودية” تخنق الدولة العراقيّة وتشل قرارها السيادي. إن العبارة الشائعة على ألسنة العراقيين “فهمونا.. إحنا ويا منو؟” ليست إعلان جهل، بل هي صرخة إدانة صريحة لنخبة سياسية أدارت البلاد لمنطق “توزيع الأدوار” بين القطبين، وحوّلت الدولة إلى “صندوق بريد ثقيل الدم” لتراسل الرسائل النارية.
تكمن الأزمة الحقيقية في أن بغداد تقف في المنتصف تماماً بين شريانين لا يستطيع أي منهما قطع الآخر دون أن يُسقط الهيكل بكامله:
تُدرك أي حكومة تشكلت بعد 2003 أن البنك الفيدرالي الأميركي في نيويورك يمسك بـ “محبس” الأموال العراقية. كل دولار يُباع في السوق العراقي يمر عبر القنوات والرقابة الأميركية. أي مواجهة صريحة مع واشنطن تعني العزل المالي، وانهيار الدينار، وشلل الدولة في ساعات.
في المقابل، تملك طهران امتداداً جغرافياً بـ 1400 كيلومتر، ونفوذاً عقائدياً وسياسياً وأمنياً يمتد إلى مفاصل القرار، ناهيك عن الاعتماد العراقي شبه الكلي على الغاز الإيراني لتشغيل المنظومة الكهربائية. أي قطيعة مع طهران تعني اضطراباً أمنياً وفراغاً طاقوياً لا يمكن تحمله.
هذا التناقض أنتج دولة بلا هوية سياسية ساطعة، تتحدث بلغة التوازن محلياً، وتخضع لضغوط الطرفين إقليمياً.
تُردد القيادات السياسية مقولة “إبعاد العراق عن محاور الصراع”، لكن الواقع يثبت عند كل عاصفة أن بغداد لا تملك أدوات الحفاظ على هذا الحياد:
حين يُضغط على إيران: تتحرك أذرع النفوذ والملفات الأمنية داخل العراق لتوجيه رسائل تحذيرية للمصالح الأميركية.
حين تُصعد أميركا: تُشدد الرقابة المصرفية وتُفرض العقوبات التي تطال قطاعات حيوية، لينكمش السوق العراقي فوراً.
الحقيقة المرة: العراقيون هم وحدهم من يدفعون ثمن هذا الحياد الوهمي—من قوتهم، واستقرار أسعار صرفهم، وأمن صيفهم الكهربائي، وخشيتهم المستمرة من سماء قد تمطر صواريخ انتقامية في أي لحظة.
تتعامل واشنطن وطهران مع بغداد بناءً على مصالحهما الوطنية والقومية المباشرة؛ وهذا سلوك طبيعي في عالم السياسة الدولية. المشكلة الحقيقية لم تكن يوماً في واشنطن أو طهران، بل في غياب “المشروع الوطني العراقي” الذي يمتلك الجرأة لتعريف المصلحة العراقية العليا وإجبار الآخرين على احترامها.
العلاقة مع واشنطن يجب أن تتحول من عقد حماية/عقاب إلى علاقة مؤسساتية تستند على التكنولوجيا والاقتصاد والتوازن دون مصادرة السيادة.
العلاقة مع طهران يجب أن تنتقل من منطق التبعية أو الارتهان إلى منطق “الجوار النفعي المتكافئ” الذي يحفظ أمن البلدين دون جعل الأراضي العراقية خط دفاع متقدم لأحد.
إذا استمر القرار السياسي في بغداد يدور في مساحة الخوف من ردة فعل هذا القطب أو ذاك، فسيظل العراق متفرجاً على بلده وهو يُدار برغبات الآخرين. الخروج من هذه الدوامة لن يتحقق بالبحث عن إجابة لسؤال “نحن مع من؟”، بل بالإجابة الجريئة عن سؤال: متى نكون مع العراق أولاً وأخيراً؟



