طز بمن باع المعادن | د.حسن جمعة

هيئة التحريرمنذ ساعتينآخر تحديث :
طز بمن باع المعادن | د.حسن جمعة

ليس هناك ما هو أشد إيلاماً للاقتصاد الوطني من أن تستيقظ دولة تجلس على عرش من الكنوز الطبيعية لتكتشف أنها تبيع مستقبل أجيالها بـ “بضعة دولارات” للطن الواحد. إن الحديث المتزايد اليوم عن هدر مال سيادي يُقدّر بقرابة ثلاثة تريليونات دولار في قطاعات الفوسفات والسيليكا والكبريت ليس مجرد مبالغة صحفية أو ورقة للمزايدة السياسية بل هو تشخيص صريح لخلل بنيوي عميق في كيفية إدارة وتثمير الثروات غير النفطية في العراق.

عندما تُبرم عقود الاستثمار المعدني بآليات تقبل بتجريف المواد الخام وتصديرها بأسعار زهيدة لا تغطي حتى كلفة استنزاف البيئة والجامد من الموارد، يُحرم البلاد عمداً من أثر “القيمة المضافة  فالسيليكا العراقية ذات النقاء الفريد في صحراء الأنبار وبحر النجف   والتي تُباع بدولارات معدودة  بوصفها رمال للبناء أو الاستخدامات البدائية   هي ذاتها المادة الأساسية التي تُبنى عليها صناعات الشاشات الذكية، وألواح الطاقة الشمسية، والشرائح الإلكترونية المتقدمة في الأسواق العالمية بقيم تصل إلى آلاف الدولارات للطن المكرر أما الفوسفات والكبريت  في أسواق التصدير كمواد خام، فهما العصب الأول لصناعات الأسمدة المركبة والمستحضرات الكيميائية الاستراتيجية التي نعود لنستوردها بأسعار مضاعفة بالعملة الصعبة من دول الجوار والعالم.

إن معضلة العقود الاستثمارية الحالية لا تقف عند حدود السعر البخس، بل تتجلى في غياب الشرط الصناعي الإلزامي  المفترض منطقياً واقتصادياً في أي عقد تعديني ناضج ألا يُسمح للمستثمر باستخراج كيلوغرّام واحد من الأرض إلا مقابل التزام صارم بإنشاء مجمعات ومعامل تحويلية داخل حدود الوطن. فالمصانع الوطنية هي التي تخلق عشرات الآلاف من فرص العمل للشباب، وهي التي تنقل التكنولوجيا المتقدمة، وهي التي تحول الثروة الفانية تحت الأرض إلى ناتج محلي إجمالي مستدام فوقها.

إن التفريط بهذه الكنوز الشاخصة  من فوسفات عكاشات، وسيليكا النجف، وكبريت المشراق  يبقي الدولة أسيرةً لتقلبات سوق النفط، ويفرغ خطط التنمية والتنويع الاقتصادي من محتواها الحقيقي. لقد حان الوقت لمراجعة الشروط والتشريعات التي تُدار بها الثروة المعدنية، وفرض سيادة الدولة الاقتصادية عبر ربط أي استثمار بالصناعة التحويلية الوطنية؛ فالعراق لا يحتاج إلى “تجار خامات”، بل إلى شراكات استراتيجية تبني الصناعة وتصون حق الأجيال القادمة في ثروات أرضهم.

عاجل !!