في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات مالية خانقة وتداعيات قاسية لارتفاع سعر صرف الدولار التي ألقت بظلالها الثقيلة على القدرة الشرائية للمواطن البسيط تطل علينا بين الحين والآخر تصريحات ومقترحات حكومية وتشريعية تعكس انفصالاً تاماً عن الواقع وتكشف بوضوح عن أولويات بعيدة كل البعد عن المصلحة العامة .. أعاد ما كشفه النائب عامر عبد الجبار مؤخراً إلى الأذهان حجم الهوة السحيقة بين الكفاءة الإدارية وبين منطق المحاصصة والترضيات الحزبية الذي ينحر جسد الدولة العراقية فعندما تُدار منظومة الطيران المدني في بلد كتركيا بأسطول عملاق يضم نحو 1200 طائرة و10 آلاف موظف تحت إدارة مدير واحد بكفاءة عالية نجد في المقابل من يطالب بتحويل سلطة الطيران المدني في العراق إلى وزارة مستقلة على الرغم من أن الأسطول لا يتجاوز 40 طائرة و 400 موظف فقط هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات عابرة للمقارنة بل هي وثيقة إدانة صارخة لنهج إداري عقيم يصر على تفصيل المناصب واستحداث الوزارات والهيئات على مقاسات الكتل والأحزاب دون أدنى اعتبار للتكاليف المالية الباهظة التي تتحملها خزينة الدولة .. إن السعي نحو استحداث وزارات أو مناصب قيادية عليا بهذا الحجم لقطاع محدود الإمكانيات لا يمكن تفسيره إلا في إطار ترضيات وتقاسم الغنائم واستنزاف الخزينة إن تحويل سلطة إلى وزارة يعني بالضرورة فتح باب واسع لتعيينات جديدة في الدرجات الخاصة والمستشارين والمديرين العامين وما يتبع ذلك من مخصصات مالية ضخمة من سيارات وحمايات ومقرات في وقت تنادي فيه الحكومة بضرورة ضغط النفقات .. يأتي هذا التوجه العبثي في وقت يعاني فيه المواطن العراقي الأمرين نتيجة ارتفاع سعر الدولار وما صاحبه من تضخم وغلاء فاحش في الأسعار بينما تنشغل الطبقة السياسية بابتداع مناصب جديدة تضمن نفوذ الأحزاب على حساب لقمة عيش المواطن وبدلاً من معالجة الترهل الإداري والبحث عن سبل لتعظيم الإيرادات غير النفطية وتطوير البنى التحتية لقطاع الطيران الحالي عبر الاستثمار والخصخصة الذكية أو الإدارة المهنية المحترفة تذهب النخب السياسية نحو الحلول الأكثر تكلفة وزيادة عدد المناصب السيادية لإرضاء الحلفاء !



