في لحظة إقليمية مثقلة بالحرب والدمار وقف جلالة الملك عبدالله الثاني أمام العالم لا ليضيف خطاباً جديداً إلى أرشيف الأمم المتحدة بل ليضع أمام المجتمع الدولي أسئلة طال انتظار الإجابة عنها.
كان خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مختلفاً في نبرته ومضامينه فقد حمل وضوحاً سياسياً لافتاً وابتعد عن اللغة الدبلوماسية التي تكتفي غالباً بالتعبير عن القلق وإعادة التأكيد على المواقف المعروفة.
لقد تحدث جلالته عن الواقع كما تراه المملكة الأردنية واضعاً القضية الفلسطينية في صدارة المشهد ومؤكداً أن ما يجري في قطاع غزة لا يمكن فصله عن التطورات في الضفة الغربية وأن التعامل معهما كقضيتين منفصلتين يتجاهل الترابط السياسي والإنساني بينهما.
وكانت الرسالة الأبرز أن استمرار معاناة الفلسطينيين لا يمكن أن يصبح أمراً اعتيادياً في نظر العالم وأن الصمت الدولي أمام الانتهاكات لا يحل الأزمة بل يترك الباب مفتوحاً أمام مزيد من التصعيد وتفاقم المأساة الإنسانية.
وفي واحدة من أكثر النقاط وضوحاً في الخطاب انتقل جلالة الملك من الحديث عن القرارات الدولية إلى السؤال الأكثر أهمية: ماذا تعني هذه القرارات إذا لم توجد إرادة سياسية لتنفيذها؟
فالمشكلة كما عكسها الخطاب ليست في غياب القوانين والقرارات والمواقف الدولية وإنما في الفجوة بين ما يقوله المجتمع الدولي وما يفعله على أرض الواقع وهنا يتحول السؤال من مجرد موقف سياسي إلى قضية تتعلق بمصداقية النظام الدولي نفسه.
كما حمل الخطاب رسالة أردنية واضحة برفض أي مسار يؤدي إلى تهجير الفلسطينيين أو تغيير الواقع الديموغرافي في الأراضي الفلسطينية مع التأكيد على أن الأردن ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها قضية حقوق وشعب وأرض وليست مجرد ملف سياسي قابل للتأجيل من جولة تفاوضية إلى أخرى.
وفي الوقت ذاته جاء الخطاب ليؤكد أن الأردن وهو يتعامل مع أزمات المنطقة يضع أمنه واستقراره ومصالح شعبه في مقدمة أولوياته وأن أي محاولات لفرض واقع جديد على حساب دول المنطقة وشعوبها لن تكون حلاً للأزمة
إن أهمية خطاب جلالة الملك لا تكمن فقط في الكلمات التي قيلت أمام الجمعية العامة وإنما في الرسائل التي حملها وهي ضرورة احترام القانون الدولي وحماية المدنيين ورفض التهجير مع الحفاظ على الحقوق الفلسطينية وتحويل القرارات الدولية من نصوص مكتوبة إلى خطوات عملية
وفي ظل حالة الانقسام والعجز التي تطبع المشهد الدولي تجاه أزمات المنطقة جاء الصوت الأردني ليؤكد أن الدبلوماسية لا تعني الصمت وأن الاعتدال لا يعني التراجع عن المواقف المبدئية
لقد كان الخطاب في جوهره دعوة إلى أن يستعيد المجتمع الدولي مسؤوليته وأن ينتقل من مرحلة إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها لأن استمرار النزاع دون حل عادل لن يؤدي إلا إلى إنتاج أزمات جديدة.
وبين قاعة الأمم المتحدة وشعوب المنطقة التي تتابع ما يجري بقي السؤال الأهم: إلى متى تبقى القرارات الدولية حاضرة في النصوص وغائبة عن الواقع؟
هذا هو السؤال الذي وضعه الخطاب الملكي أمام العالم وهو سؤال لا يحتاج إلى مزيد من البيانات بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية قادرة على تحويل الكلام إلى فعل




