في الوقت الذي تسارع فيه دول الخليج العربي المرفهة اقتصاديا إلى تطبيق إجراءات تقشفية صارمة لحماية أموالها ومقدراتها من تداعيات أزمة مضيق هرمز واهتزازات سوق الطاقة العالمية اختارت بغداد السير في الاتجاه المعاكس تماما فقد فاجأت حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي الأوساط السياسية والاقتصادية بتقديم مسودة موازنة عام 2027 برقم إنفاق تاريخي وتوسعي غير مسبوق تجاوز عتبة الـ 217 تريليون دينار لتفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات حادة حول جدوى تقديم ما يمكن وصفه بحق بموازنة الرفاهية.. إن قراءة أولية لأرقام الموازنة المفترضة تصيب المراقبين بالذهول فالعالم أجمع يعيد هيكلة سياساته المالية تحسبا لأي طارئ استراتيجي قد يغلق شرايين الطاقة الحيوية ودول الجوار الخليجي رغم فوائضها المالية تفرض قيودا مشددة على الإنفاق الاستهلاكي وتدعم الاستثمار الحذر في المقابل تأتي بغداد لتغض الطرف عن هلع الأسواق وتطلق العنان لشهية إنفاقية لا تتماشى مع الواقع الجيوسياسي ولا مع استقرار أسعار النفط المهتزة توسع غير محسوب أرقام تفوق القدرات الفعلية وتتجاهل أبسط قواعد إدارة المخاطر الاقتصادية الساحة ضد التيار تجاهل تام للتدابير الاحترازية التي تتخذها الدول النفطية الكبرى لمواجهة صدمات سوق الطاقة غياب الواقعية تقديم موازنة استهلاكية في توقيت يحتم توجيه كل دينار نحو التحوط والبناء الاستراتيجي.. هل هي موازنة رفاهية أم قنبلة موقوتة؟ إن وصف هذه الموازنة بموازنة الرفاهية ليس مبالغة سياسية بل هو توصيف دقيق لخطر داهم يهدد باستنزاف ما تبقى من احتياطيات النقد الأجنبي إن تضخم النفقات التشغيلية على حساب الاستثمار الحقيقي والمنتج يعني بوضوح إعادة تدوير الأزمات وتحويل الموازنة العامة من أداة للتنمية إلى عبء مالي يهدد بالدخول في نفق مظلم من العجز الهيكلي إن إصرار الحكومة على المضي قدما في سياسات الإنفاق التوسعي المفرط وسط عواصف إقليمية عارمة يعكس انفصالا مقلقا عن الواقع الاقتصادي الدولي وينذر بعواقب وخيمة على الاستقرار المالي استنتاج وتوصيات إن العراق ليس بمعزل عن الاقتصاد العالمي وتجاهل المتغيرات الإقليمية ومخاطر أزمة هرمز وسوق الطاقة سياسة لن تزيد الطين إلا بلة بات لزاما على المؤسسات التشريعية والرقابية التدخل بحزم لإعادة صياغة هذه المسودة وتقليص حجم البذخ المالي وتوجيه الإنفاق نحو مسار الرشاد الاقتصادي قبل فوات الأوان .


