في مشهد درامي مكرر يتجاوز حدود المنطق السليم، يُطل علينا ملف فساد عدنان الجميلي ليكون حديث الساعة والواجهة الجديدة لأرقام فلكية وأموال منهوبة تُكتشف تباعاً.. لكن السؤال المحوري الذي يجب أن يُطرح بعيداً عن صخب البيانات والتصريحات الإعلامية: هل نحن أمام الفاعل الأصلي والمخطط الوحيد أو أمام كبش فداء أُعدّ بعناية لامتصاص الصدمة وحماية الرؤوس الكبيرة؟.. فمن الناحية العقلية والواقعية من المستحيل منطقياً أن تُعصب كل هذه السرقات المليارية وتُدار هذه الشبكات المعقدة من الاختلاس وتبييض الأموال بشخص واحد مهما بلغت سطوته أو نفوذه.. المنظومات الفاسدة لا تُبنى بجهود فردية بل هي شبكات تضامن مصالح تُوزع فيها الأدوار بدقة متناهية , مجموعة تخطط واخرى تحمي وتغطي .. ومجموعة ثالثة تُنفّذ وتتصدر المشهد كواجهة.. سيناريو “المقاول التنفيذي” للفساد ليس جديداً وهو أن يتقدم شخص واحد للواجهة، يتحمل المسؤولية القانونية والإعلامية، ويتحول إلى حائط صد حماة السرقات الحقيقيين مقابل صفقة غير مكتوبة تتضمن التكفل بالعقوبة والإدانة لحماية شبكة الظل والتأمين على حصة كبرى من الأموال المنهوبة تُحفظ في ملاذات آمنة لاستلامها بعد انقضاء العاصفة.. والعبث بأدلة الإدانة لتبرئة الشركاء الأقوياء الذين يملكون النفوذ الأكبر.
إن العثور على الأموال وتسليط الضوء الكامل على الجميلي وحده مع إغفال التساؤل عن من يقف خلفه و من سهّل له و من شاركه في غنيمة السرقات ، هو تجزئة معيبة للعدالة.. الصمت عن الرؤوس المدبرة الأخرى وتحويل القضية إلى ملف فردي يخدم حقيقة واحدة فقط: إنقاذ المنظومة الأم واستمرار الفساد بنفس الآليات ولكن بوجوه جديدة مستقبلاً.
الفساد في الدولة ليس أفراداً بل بيئة وشبكات وحصر جريمة بهذا الحجم الضخم في شخص “عدنان الجميلي” ليس إلا محاولة لذر الرماد في العيون.. الحقيقة التي ينتظرها الشارع لا تقف عند حدود محاسبة الواجهة بل تفكيك الشبكة الكاملة وإسقاط الحصانة عن الفاسدين المتوارين خلف الستار قبل أن تُغلق القضية على شماعة أعدت جاهزة .


