“عملاق لاتضيق به المكتبات : سيرة من ملأ الدنيا كتبا وشغل الأجيال أدبا “

هيئة التحرير9 سبتمبر 2026آخر تحديث :
“عملاق لاتضيق به المكتبات : سيرة من ملأ الدنيا كتبا وشغل الأجيال أدبا “

العالم الجليل ” جاسم محمد صالح” ،كيف حوّل القصةَ إلى منهجٍ والروايةَ إلى مرجع ، والحبرٍ على ورق إلى علامةٍ في جبين الثقافة”؟

في ركن المكتب المظلل،  قصةُ عُمْرٍ تُروى: ،حيث يتساقط ضوء القمر كالحرير على أوراقٍ تاهت بين الزمن والأبدية ،أديبٌ قرأته الأجيال، وتعلمت منه العقول ..    المكتباتُ ذاكرته، والطلابُ شهوده: عملاقٌ يروي بأقلامه تاريخاً   . كان ولايزال قلمه نبضاً لا يهدأ، يخطُّ على الورق حياةً ثانية، ويسجِّل همس الروح قبل أن يخفت. عمرٌ قضاه بين دفتي الكتب، لم يفرقه عن حبره سوى تنهيدة  أمل، أو نظرة حالمة تبحث عن معنى في فضاءات السطور ، أوراقه لم تكن مجرد كلمات، بل عوالم تتنفس، وشخصيات تخلع رداء الورق لتمشي بيننا، تحمل هموم الطفولة وأسئلتهم الوجودية .

وحين حطَّت مؤلفاته على منابر الجامعات، صارت درراً تُدرس في قاعات الماجستير والدكتوراه، تتردد أصداؤها في القاهرة وبيروت، في الرباط وبغداد، وحتى في معاقل الفكر الأوروبي والأمريكي. طلاب العلم يتهادونها كالمعرفة المقدسة، كل حرف فيها مفتاح لفكرة، وكل فصل نبض لرؤيا، تناقشوها في أطروحاتهم، وكتبوا حولها بحاراً من التأويل، وكأنهم يفتحون كنزاً لا ينضب .

ثم جاءت الترجمة، تحمل إرثه إلى لغات الأرض، تُلبسه ثياباً جديدة كل مرة: إنكليزية رشيقة، فرنسية شفافة، ألمانية عميقة، وإسبانية دافئة يابانية حكيمة ،    صار اسمه يطير على ألسنة القراء في القارات الخمس، يروي حكايته لمن لم يعرفوا لغته، ليصبح ملكاً لا تُغرب شمس إبداعه، وتظل كلماته خالداً في ذاكرة الزمن، كالقصيدة التي لا تموت .

إعتمد منهجاً فريداً في استلهام التراث، سواء كان عراقياً أو عالمياً، وإعادة تقديمه بأسلوب تربوي جديد ، كما اهتم في أعماله بغرس القيم الأخلاقية في نفوس الأطفال، مؤكداً أن القيم الأخلاقية التي تبني المجتمعات هي تلك القيم التي يجب أن يتعلمها الطفل منذ نعومة أظافره .

قد يكون من الصعب على كاتب أن يختار طريقاً واحداً في عالم الأدب، لكن العالم الجليل ” جاسم محمد صالح”  لم يتردد. فقد كتب مجموعات قصصية للكبار ، مدركاً أنه يحمل رسالة يجب أن تصل إلى من يحتاجها،  نذر نفسه بالكامل لكتابة أدب الأطفال .

جاسم محمد صالح ليس مجرد أديب كتب للطفل، بل هو مؤسس ورائد وضع القواعد والأسس العلمية الرصينة لأدب الطفل في العراق..    إنه نموذج نادر للمثقف الموسوعي الذي جمع بين التربية والتعليم والإعلام والنقد والإبداع، مؤمناً بأن الطفل هو بذرة المستقبل، وأن تقديم الأدب الجيد له هو استثمار في بناء مجتمع أفضل. بكتاباته المتنوعة، وترجماته المتعددة، واهتمامه العالمي بالتراث الإنساني، أثبت أن الإبداع الحقيقي لا يعرف حدوداً، وأن رسالة الأديب تتجاوز الجغرافيا لتلامس قلوب الأطفال في كل مكان .

يبقى إبداع هذه الشخصية العراقية  الفريدة بعطاءها شاهداً على أن الكلمة أقوى من صخر الزمن، وأن الجمال يولد من رحم الألم ،  إنه ليس مجرد كاتب، بل روح نابضة تتنفس حبّاً لوطنٍ يئنّ، وتصوغ من رماده جمراً يضيء دروب العابرين. في كل حرفٍ له، نقرأ تاريخاً لا يمحى، وفي كل قصة ، نسمع نبض شعبٍ عصي على الانكسار. هكذا يكون الأدباء، أنبياء الكلمة، يتركون بصماتهم في وجدان الأمة، فلا تموت أفكارهم، ولا تخبو نيران إلهامهم، بل تبقى نبراساً للأجيال، تهمس في آذان الزمن: ها أنا ذا، ما زلتُ حياً في عقول من يقرأونني ..

عاجل !!