في دهاليز السياسة لا تموت الحقيقة قتلاً بل خنقاً بركام الأرقام المتضاربة.. يقف المواطن اليوم في مهب التناقضات متسائلاً بمرارة الحيرة : أيّ الروايتين أصدق؟ وأيّ الأرقام يملك وجه البراءة في زمنٍ غَدَت فيه الميزانيات طيناً يُشكَّل وفق أهواء الخطاب؟.. يخرج علينا رئيس المكتب السياسي لائتلاف الإعمار والتنمية، النائب حيدر الفوادي مُعلناً أن حكومة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني سلّمت لَخَلَفِها احتياطياً نقدياً يُناهز مئة واثني عشر مليار دولار وأن ما يُشاع عن تسليم ترليون دينار فقط ليس سوى محض افتراء تُفنّده وثائق البنك المركزي ووزارة المالية نجد أنفسنا أمام مشهدٍ يتجاوز حدود السجال السياسي إلى منطقة مساسٍ مباشرٍ بالطمأنينة العامة.. إن المفارقة لا تكمن فقط في اتساع الفجوة بين الأرقام المُعلنة بل في الاستخفاف بعقل الشارع الذي أرهقته الأزمات.. فكيف يتحول رقمٌ بحجم الاحتياطي النقدي من حقيقةٍ رقميةٍ صلبة تُفترض فيها الشفافية المطلقة إلى وجبةٍ للتأويل والتشكيك؟ وما يزيد المشهد تعقيداً هو الشجاعة في وضع النقاط على الحروف حين يُقال إن التعويل على الأموال المسترجعة من الفاسدين لتغطية الرواتب ليس إلا وهمًا لا يصمد أمام الواقع؛ إذ إن تلك الأموال لا ترتقي حتى إلى واحد بالمئة من التزامات الدولة الحتمية.
إنَّ الحديث عن انتقال الأرقام من سبعة وثمانين مليار دولار في حقبة مصطفى الكاظمي إلى مئة واثني عشر ملياراً في ختام حقبة السوداني يرسم لوحةً من الرفاه المالي المفترض، لكنها تظل لوحةً مُعلقة في الفراغ ما لم يلمس المواطن أثرها في يومياته، وما لم تنتهِ المعزوفة الموسمية لخشية التعثر في تأمين المستحقات.. من نصدق إذن ؟ نصدق الوثيقة حين تُنزع منها روح التوظيف السياسي ونصدق الرقم عندما ينعكس استقراراً لا تزعزعه الشائعات.. إن الدولة لا تُدار بالظنون، والمواطن الذي بات خبيراً رغماً عنه في تتبع مؤشرات البنك المركزي لم يعد يحتمل أن تكون ثروة بلاده موضوعاً لـ “قال وقيل”.. لقد حان الوقت ليخرج وزير المالية للعلن بالحديث المفصل بالأرقام عما تسلمه السوداني من الكاظمي وما سلمه الى الزيدي فالمواطن يريد الحقيقة وليس الاحاجي والالغاز! .

