منذ عودته إلى المشهد السياسي، أعاد ترامب صياغة مفهوم القوة الأمريكية بطريقة مختلفة عن الإدارات التقليدية ، فهو لا يتعامل مع السياسة الدولية بوصفها إدارة تحالفات فقط، و إنما تحولت الأزمات إلى سوقٍ مفتوحةٍ للمصالح والصفقات الكبرى. وفي هذا السياق، يبرز ما يمكن تسميته بـ”إدارة الفوضى”، وهي استراتيجية تقوم على خلق الإرباك السياسي والاقتصادي والأمني، ثم التحكم بمسار النتائج بما يخدم المصالح الأمريكية أولاً، ومصالح شبكات المال والسلاح والطاقة المرتبطة بالإدارة الأمريكية ثانياً.
ترامب الذي يصفه خصومه بـ”المجنون” أو “المضطرب”، لا يتحرك بعشوائية كما يظن البعض، بل وفق عقلية رجل الأعمال الذي يرى في الأزمات فرصة استثمارية هائلة. فكل توتر في أسواق النفط يعني ارتفاعاً في الأسعار، وكل حرب تفتح أبواب صفقات السلاح، وكل اضطراب أمني يدفع الدول إلى الارتماء أكثر في الحضن الأمريكي طلباً للحماية. هنا تتحول الفوضى من حالة طارئة إلى أداة سياسية واقتصادية مدروسة بعناية.
لقد أثبتت التجارب أن الإدارات الأمريكية، وخصوصاً إدارة ترامب، تتقن استخدام سياسة الضغط القصوى وخلق التوترات المتعمدة. فمن التصعيد مع إيران، إلى إدارة ملفات الطاقة، مروراً بالحروب التجارية والعقوبات الاقتصادية، وصولاً إلى الأزمات الأمنية في الشرق الأوسط، كانت واشنطن تدفع بالأحداث نحو حافة الانفجار، ثم تعود لتقدم نفسها كوسيط أو منقذ أو شريك أمني لا غنى عنه.
في منطقة الخليج، تبدو الصورة أكثر وضوحاً. فكلما ارتفع منسوب القلق الأمني، ازدادت صفقات التسلح، وتعاظم الوجود العسكري الأمريكي، وارتبطت اقتصادات المنطقة أكثر بالقرار الأمريكي. وهكذا تصبح دول الخليج أمام معادلة معقدة: الخوف من الفوضى يدفعها إلى دفع أثمان مالية وسياسية هائلة لضمان الاستقرار، بينما يبقى مصدر التوتر نفسه جزءاً من اللعبة الدولية التي تُدار بعناية من القوى الكبرى.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن خلق الأزمات العالمية يؤدي إلى إعادة رسم خرائط الطاقة والتجارة والاستثمارات. فالحروب ترفع أسعار النفط حيناً، وتخفضها حيناً آخر وفق الحاجة السياسية، والعقوبات الاقتصادية تعيد توجيه الأسواق بما يخدم الشركات الأمريكية العملاقة. وحتى الأزمات الأمنية الممتدة تتحول إلى مشاريع اقتصادية طويلة الأمد لشركات السلاح والطاقة وإعادة الإعمار.
المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في السياسات الأمريكية، وأنما في هشاشة الموقف العربي وتشتت القرار الإقليمي. فالمنطقة ما تزال تتعامل بردود الأفعال بدلاً من بناء استراتيجيات مستقلة قادرة على حماية الأمن القومي والاقتصادي بعيداً عن الابتزاز الدولي. لذلك تبقى الدول العربية أسيرة لعبة المحاور والصراعات، تدفع كلفة الحروب والتوترات، بينما تجني القوى الكبرى الأرباح والنفوذ.
إن ما يجري اليوم في الخليج والشرق الأوسط لا تُعدّ سلسلة او أحداث منفصلة، بل جزء من مشهد دولي تُدار فيه الأزمات كأدوات نفوذ وسيطرة. وإدارة ترامب، بعقلية التاجر أكثر من عقلية السياسي، تدرك أن الفوضى حين تُدار بذكاء يمكن أن تتحول إلى أكبر مشروع اقتصادي واستراتيجي في العالم. وبينما تتغير الوجوه في البيت الأبيض، تبقى الحقيقة الأهم أن المنطقة العربية ستظل تدفع الثمن ما لم تمتلك مشروعها السياسي والأمني والاقتصادي المستقل القادر على كسر دائرة التبعية وصناعة التوازن الحقيقي..





