لم يكن تصريح النائب السابق أمير المعموري بشأن هيمنة أحزاب وشخصيات سياسية على ملف عقارات الدولة ومطالبته رئيس الوزراء بفتح تحقيق عاجل مجرد صيحة تحذير عابرة بل هو وضع للإصبع على واحدة من أخطر الأورام التي تنخر في جسد الاقتصاد العراقي.. إنها صرخة تكشف كيف تحولت أصول الدولة وعقاراتها من ملكية عامة للشعب إلى “مغسلة عملاقة” لتبييض الأموال القذرة وتحقيق المنافع الفئوية الضيقة.
الأرقام الصادمة المرافقة لهذا الملف لا تدع مجالاً للشك بأننا أمام “جريمة اقتصادية منظمة” مكتملة الأركان فعندما يتحول قطاع العقارات إلى المنفذ الأول لغسل الأموال بتصريف كتل نقدية سنوية هائلة تبلغ ١٠٠ مليار دينار كاش فهذا يعني أن هناك بيئة موازية تنمو بعيداً عن رقابة الدولة.. والمفارقة الأخطر هنا هي أن ٧٠٪ من هذه الأموال القذرة تُبيّض محلياً مما يفرغ الاقتصاد من قيمته الحقيقية ويدفع بالمواطن البسيط إلى زاوية العجز.
إن هذا التكالب على عقارات الدولة ومشاريع الاستثمار لم يفرز فساداً مالياً فحسب بل أحدث تشوهاً بنيوياً في السوق العقاري.. فبسبب هذه العمليات المشبوهة، تضخمت الأسعار بنحو ٣ إلى ٤ أضعاف، ليقفز سعر المتر في بعض المناطق إلى أرقام فلكية تناهز ١٦،٠٠٠ دولار، وهو رقم لا يمت بصلة للواقع الاقتصادي للمواطن العراقي، بل يعكس حمى التنافس بين حيتان الفساد لإخفاء أموالهم المنهوبة.
الأسلوب الذي تدار به هذه الشبكات يعكس ذكاءً جرمياً وتنظيماً دقيقاً؛ فالاعتماد بنسبة ٨٥٪ على الدفع النقدي (الكاش) قبل التحول الرقمي وتسجيل الشبكة الواحدة لما يصل إلى ٥٠ عقاراً بأسماء مستعارة يكشف عن ثغرات قانونية وإدارية استغلتها تلك الجهات للتغلغل في مشاريع استثمارية ومجمعات سكنية تُقدر قيمتها الإجمالية بـ ٣٠٠ مليار دولار.
أمام هذا المشهد القاتم، لم يعد الصمت أو الاكتفاء باللجان التحقيقية التقليدية خياراً مقبولاً.. إن رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي أمام اختبار حقيقي لإثبات جدية الدولة في مكافحة الفساد الهيكلي كما إن استعادة أملاك الدولة ومحاسبة المتورطين بالتجاوز عليها يتطلبان ضربة حازمة
فهل سيفتح الزيدي هذا الملف الكبير والشائك أم سيسكت منشغلاً بملفات أخرى لا تقل فساداً عن هذا الملف ؟



