رصاصة على ذاكرة الوطن \ بقلم د. أحمد عبد المجيد السامرائي

هيئة التحرير25 يوليو 2026آخر تحديث :
رصاصة على ذاكرة الوطن \ بقلم د. أحمد عبد المجيد السامرائي

سيكتب التاريخ أن حكومة السيد الزيدي اتخذت قرارا ستكون له تداعيات تتجاوز حدود السياسة والإدارة ليصل أثره إلى ذاكرة العراق وتاريخه الصحفي عندما حولت الإعلانات الحكومية إلى المنصات الإلكترونية وحرمت الصحافة الورقية من موردها المالي الأهم الذي كان يمثل شريان الحياة لاستمرارها.

 

الصحف الورقية ليست مجرد أوراق تطبع كل صباح ثم تنتهي صلاحيتها مع مرور الوقت بل هي سجل وطني يوثق الأحداث ويحفظ الوقائع ويؤرشف ذاكرة الشعوب للأجيال القادمة. أما المنصات الإلكترونية فعلى أهميتها وسرعة انتشارها فيبقى محتواها قابلا للتعديل أو الحذف أو التغيير في أي لحظة وهو ما يجعلها تختلف جذريا عن الوثيقة الورقية الثابتة التي لا يمكن العبث بها بعد نشرها.

 

ومن المهم توضيح حقيقة يغفل عنها كثيرون وهي أن أجور الإعلانات الحكومية لا تتحملها خزينة الدولة بل تدفعها الجهة أو الشركة التي يرسو عليها الإعلان وفقا للعقود المبرمة. ولذلك فإن حرمان الصحف الورقية من هذه الإعلانات لا يحقق وفرا ماليا للدولة وإنما يؤدي إلى تجفيف موردها الأساسي ويهدد مئات العاملين فيها من صحفيين ومحررين ومصورين ومصممين وإداريين.

 

ولا يقتصر أثر هذا القرار على المؤسسات الصحفية وحدها بل يمتد إلى الأمن الاجتماعي للصحفيين أنفسهم. فصندوق تقاعد الصحفيين يعتمد في جانب مهم من موارده على استقطاع نسبة خمسة بالمئة من أجور الإعلانات المنشورة في الصحف وهي نسبة تستقطع من قيمة الإعلان وتمثل موردا أساسيا لتأمين رواتب المتقاعدين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الصحافة والكلمة الحرة. ومن ثم فإن موت الصحافة الورقية يعني عمليا موت صندوق تقاعد الصحفيين وإضعاف الضمان الاجتماعي الذي يمثل طوق النجاة لمئات الأسر.

 

إن دعم الصحافة الورقية لا يعني الوقوف بوجه التطور الرقمي ولا التقليل من أهمية المنصات الإلكترونية لكن لكل وسيلة دورها ووظيفتها. غير أن الإعلان الحكومي يجب أن يبقى في الصحف الورقية لأنها الوثيقة الرسمية الثابتة التي تحفظ الإعلان وتؤرشفه وتجعله جزءا من ذاكرة الدولة بينما يبقى الإعلان الإلكتروني قابلا للتعديل أو الحذف في أي وقت.

 

وإذا كانت الحكومات تؤمن بحرية الصحافة فإن أول اختبار لهذا الإيمان هو حماية المؤسسات الصحفية الوطنية لا تجريدها من أهم مصادر بقائها. فالصحافة الورقية ليست عبئا على الدولة بل هي جزء من هويتها الثقافية والإعلامية ورافد أساسي من روافد الوعي الوطني وحافظة لذاكرة العراق.

وفي الوقت نفسه يبرز سؤال مشروع إلى نقابة الصحفيين. أين موقفها مما تتعرض له الصحف الورقية من تهميش. وأين الأصوات التي طالما وجدت في هذه الصحف منبرا لها وسندا لمسيرتها المهنية. لقد استفاد كثيرون من المؤسسات الصحفية على مدى سنوات طويلة وحان الوقت لرد الجميل بموقف واضح ومسؤول دفاعا عن مهنة لا تزال تمثل أحد أهم أعمدة الإعلام العراقي.

ومن هنا فإنني أناشد السيد رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي التدخل العاجل لإلغاء هذا القرار المجحف وإعادة الإعلانات الحكومية إلى الصحف الورقية باعتبارها الحاضنة الحقيقية للإعلان الرسمي والوثيقة الثابتة التي تحفظه للأجيال. إن إعادة الإعلانات إلى الصحف ليست دعما لمؤسسات إعلامية فحسب بل هي حماية لمصدر رزق آلاف العاملين فيها وضمان لاستمرار صندوق تقاعد الصحفيين وحفاظ على جزء أصيل من ذاكرة العراق الإعلامية.

إن إنقاذ الصحافة الورقية ليس دفاعا عن الورق والحبر بل دفاع عن ذاكرة وطن وعن مهنة صنعت الوعي وحفظت التاريخ. وعندما تغيب الصحف لا تخسر المؤسسات الإعلامية وحدها بل يخسر الوطن إحدى أهم أدواته في توثيق الحقيقة وحماية ذاكرته من النسيان. فالأوطان التي تفرط بأرشيفها وتضعف صحافتها إنما تفرط بجزء من تاريخها وحق أجيالها في معرفة الحقيقة.

عاجل !!