العراق لا يُدار… بل يُترك / مصطفى طارق الدليمي 

هيئة التحريرمنذ 46 دقيقةآخر تحديث :
العراق لا يُدار… بل يُترك / مصطفى طارق الدليمي 
في العراق لا تحتاج إلى تقارير دولية أو بيانات رسمية لتفهم أن هناك خللاً عميقاً في فكرة الدولة نفسها يكفي أن تعيش يوماً عادياً أن تستيقظ على انقطاع الكهرباء أن تؤجل معاملة بسبب روتين غير مفهوم أن ترى القانون يُطبّق هنا ويُتجاوز هناك لتدرك أن ما يجري ليس مجرد ضعف في الإدارة انما نمط كامل من “اللا-إدارة”
العراق لا يعيش حالة فوضى صريحة انما حالة أكثر تعقيداً فوضى منظّمة كل شيء يبدو وكأنه يعمل لكن لا شيء يعمل كما ينبغي المؤسسات موجودة القوانين مكتوبة المسؤولون يتحدثون لكن النتيجة النهائية دائماً ناقصة مؤجلة أو مشروطة
الدولة هنا لا تغيب بالكامل لأنها تعرف متى يجب أن تحضر تحضر بقوة في لحظات الصراع السياسي في فرض النفوذ في حماية التوازنات القائمة لكنها تتراجع حين يتعلق الأمر بالخدمات الأساسية أو ببناء نظام مستقر يمكن التنبؤ به وكأن هناك فهماً ضمنياً بأن السيطرة أهم من البناء وأن إدارة الأزمات أولى من حلّها
في هذا الفراغ لا يبقى المجتمع ساكناً انما يعيد تنظيم نفسه بطرق موازية  العشيرة لا تعود مجرد امتداد اجتماعي انما تتحول إلى بديل قانوني العلاقات الشخصية تصبح وسيلة إنجاز لا مجرد تواصل والمال يتحول من أداة اقتصادية إلى مفتاح يفتح أبواباً مغلقة في وجه الآخرين
مع الوقت لا يعود هذا التكيّف استثناءً انما يتحول إلى ثقافة المواطن لا يسأل: لماذا لا تعمل الدولة؟
بل يسأل: كيف أتجاوزها؟
وهنا يحدث التحول الأخطر حين يصبح الالتفاف على النظام مهارة وليس مشكلة هذا الواقع لا يُنتج فقط خدمات ضعيفة بل يُنتج وعياً مشوهاً بالدولة فكرة أن هناك نظاماً عادلاً يمكن الاعتماد عليه تبدأ بالتلاشي يُستبدل بها شعور عام بأن كل شيء مؤقت وأن الاستقرار ليس قاعدة انما لحظة عابرة
سياسياً لا تبدو العملية كإدارة دولة بقدر ما هي إدارة توازنات دقيقة كل طرف يحاول أن يحافظ على موقعه لا أن يبني منظومة تتجاوز الجميع الخوف ليس من الفشل انما من اختلال التوازن لذلك يتم تأجيل القرارات الكبيرة وتفريغ الإصلاحات من مضمونها والإبقاء على الوضع كما هو لأنه آمن نسبياً لكن هذا الأمان هش لأنه لا يقوم على أساس قوي بل على تجنّب الانفجار فقط ومع كل أزمة جديدة يتضح أن ما تم تأجيله لم يُحل بل تراكم
الأخطر من ذلك أن هذا النمط لا يؤثر فقط على الحاضر انما يعيد تشكيل المستقبل جيل كامل ينشأ وهو يرى أن النجاح لا يأتي عبر المؤسسات انما عبر تجاوزها
أن الدولة ليست إطاراً يحتضنه بل عائقاً يتعلم كيف يتخطاه
السؤال هنا لم يعد بسيطاً أو تقنياً ولم يعد مقتصراً يتعلق بإصلاح وزارة أو تغيير مسؤول انما أصبح سؤالاً وجودياً: هل هناك إرادة حقيقية لتحويل هذه اللا-إدارة إلى إدارة؟
أم أن بقاء الأمور في هذه المنطقة الرمادية يخدم قوى أكثر مما يضرها؟
في بلد تعلّم كيف يعيش بلا استقرار كامل قد لا تكون المشكلة في غياب الحلول انما في غياب الحاجة الملحّة لفرضها لأن النظام الذي لا ينهار لا يُجبر أحداً على تغييره وهكذا يستمر العراق لا يسقط ولا ينهض يُدار جزئياً ويُترك في الباقي يعيش بين حالتين دون أن يحسم أيّاً منهما.
عاجل !!