لم تعد الجريمة المنظمة تبحث عن الأزقة المظلمة لتمارس تجارتها المسمومة بل وجدت في “اللايكات” والإعلانات المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ملاذاً آمنًا للالتفاف على القانون واختراق العقول والبيوت.. وما الإعلان الأخير لوزارة الصحة عن ضبط أكثر من 525 ألف قطعة دوائية ومستلزم طبي مخالف في قلب بغداد إلا جرس إنذار يدق يدويًا وبقوة في أروقة الأمن الصحي الوطني ليكشف عن حجم الجريمة المستترة خلف الشاشات الذكية..إن العملية الخاطفة التي نفذها فريق التفتيش في دائرة صحة الرصافة بالتعاون مع استخبارات مكافحة الجريمة المنظمة ونقابة الصيادلة بمنطقة بارك السعدون تُحسب بلا شك للجهات الرقابية والأمنية.. فالوصول إلى هذا الخيط بدأ من تتبع “عملية إلكترونية” لبيع العقاقير عبر المنصات الرقمية وهو ما يعكس تطوراً نوعياً في أدوات الرقابة لمواجهة جيل جديد من المهربين والوسطاء الذين استبدلوا الصيدليات النظامية بمخازن عشوائية مظلمة، تفتقر لأدنى معايير التخزين والتبريد والسلامة..لكن السؤال الصادم : كم شحنة مسمومة نجحت بالفعل في الوصول إلى أجساد العراقيين قبل أن تقع هذه الشحنة الضخمة في قبضة القانون؟ إن نصف مليون قطعة دوائية سائبة كافية لإحداث فاجعة صحية مجتمعية..لقد تحول العالم الرقمي في بلدنا إلى سوق مفتوحة لـ “تجار الحقيبة الإلكترونية”، حيث تُباع الوصفات الطبية، والمقويات، والأدوية التجميلية وحتى المزمنة بلا حسيب أو رقيب، مستغلة حاجة المريض، وحالته المادية، أو جهله بالتبعات الكارثية لهذه العقاقير المجهولة المصدر..المواجهة اليوم لم تعد تقتصر على مداهمة مخزن عشوائي هنا أو مصادرة شحنة هناك؛ إننا أمام “إرهاب صحي” منظم يتطلب ردعاً تشريعياً وقضائياً غير تقليدي.. يجب أن يُعامل بيع الأدوية والمستلزمات الطبية عبر الإنترنت خارج الأطر الرسمية والنقابية باعتباره “شروعاً في القتل العمد”، وليس مجرد مخالفة تجارية أو تجاوز .. إن حماية الأمن القومي الصحي تستدعي استراتيجية شاملة وممتدة؛ معركة تشترك فيها وزارة الاتصالات لغلق المنصات المشبوهة فوراً وإعلام واعٍ يفضح هذه الممارسات ومواطن يعي تماماً أن صحته وصحة عائلته أغلى بكثير من أن تُطلب بنقرة زر من جهة مجهولة !.

