أصبحت العلاقات الوثيقة القائمة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من أكثر القضايا حضورا في أي تحليل سياسي يتناول شؤون الشرق الأوسط إذ لم تعد هذه العلاقة مجرّد تحالف تقليدي بين دولتين بل تحوّلت إلى عامل محوري ومؤثر في مجمل الصراع القائم في المنطقة ، بل إنّ كثيرا من المراقبين والمهتمين بالشأن السياسي باتوا ينظرون إلى هذا الصراع بوصفه صراعًا أمريكيًا–عربيًا بقدر ما هو صراع إسرائيلي– عربي نظرًا لحجم الانخراط الأمريكي المباشر وغير المباشر في دعم إسرائيل سياسيا وعسكريا واقتصاديا ، ومن هذا المنطلق فإنّ السياسي العربي بل والإنسان العربي عمومًا يتابع طبيعة هذه العلاقات ويرصد تطوراتها باهتمام بالغ سعيًا منه لفهم أبعادها وتحليل منطلقاتها والوقوف على عناصر قوتها ونقاط ضعفها بوصفها جزءًا لا يتجزأ من واقعه السياسي ومصيره الإقليمي ، وفي هذا السياق تأتي هذه المقالة لتقديم قراءة تحليلية معمّقة لطبيعة العلاقة الأمريكية– الإسرائيلية في ضوء واحدة من أخطر القضايا التي هزّت هذه العلاقة وهي قضية التجسس التي قام بها المواطن الأمريكي جوناثان بولارد لصالح إسرائيل ، فقد أثارت قضية بولارد منذ تفجّرها تساؤلات عديدة حول حدود الثقة بين الحليفين وحول طبيعة العلاقة الفعلية التي تربط واشنطن بتل أبيب، وهي تساؤلات نأمل أن يجد القارئ بعض الإجابة عنها في هذه الدراسة
في الحادي والعشرين من تشرين الثاني عام 1985 ألقى رجال وكالة المخابرات الامريكية القبض على جوناثان بولارد البالغ من العمر 31 عاما أمام مبنى السفارة الإسرائيلية في واشنطن بتهمة التجسس لصالح دولة تُعد من أقرب حلفاء الولايات المتحدة ، وفي اليوم التالي مباشرة تم اعتقال زوجته آن هندرسون– بولارد، البالغة من العمر 25 عامًا بتهمة التواطؤ والمشاركة في إخفاء وثائق سرية .
بولارد يهودي أمريكي ينتمي إلى عائلة أكاديمية إذ كان والده أستاذًا في جامعة نوتردام الامريكية عُرف بولائه الشديد لإسرائيل وتعاطفه الواضح مع الفكر الصهيوني ، تلقّى تعليمه الجامعي في مؤسسات أكاديمية مرموقة من بينها جامعة ستانفورد في كاليفورنيا وكلية فلتشر للقانون والدبلوماسية التابعة لجامعة تافتس في ولاية ماساتشوستس ، وخلال سنوات دراسته كان بولارد يحرص على سرد روايات توحي بوجود علاقات تربطه بجهاز الموساد الإسرائيلي ، بل وصل به الأمر إلى الادعاء بأنه يحمل رتبة (كولونيل) في الجيش الإسرائيلي مما أثار دهشة واستغراب زملائه الذين رأوا فيه شخصًا مفرط الحماسة للصهيونية ، وفي عام 1979 بدأ بولارد العمل كموظف مدني في مركز الأبحاث البحرية الأمريكية في سوتلاند بولاية ميريلاند حيث كان مكلفًا بتحليل المعلومات الاستخبارية ، وتشير المصادر إلى أن نشاطه التجسسي لصالح إسرائيل بدأ في ربيع عام 1984 مقابل مبالغ مالية قُدّرت بنحو 45 ألف دولار إضافة إلى امتيازات أخرى، شملت رحلات سنوية إلى أوروبا له ولزوجته، وزيارات متعددة إلى إسرائيل ، وقد بدأت الشكوك تحوم حول بولارد بسبب محاولاته المتكررة الحصول على وثائق لا تدخل ضمن نطاق عمله الوظيفي ، وعندما شعر بأنه بات تحت مراقبة الأجهزة الأمنية أصابه الهلع فحمل حقيبة مليئة بالوثائق السرية وغادر منزله برفقة زوجته متجها إلى السفارة الإسرائيلية طالبا اللجوء السياسي ، غير أنّ المسؤولين في السفارة رفضوا إدخاله خشية التداعيات السياسية ليغادر المكان بعد دقائق قليلة قبل أن يتم اعتقاله مباشرة من قبل عناصر الـ F.B.I وأظهرت التحقيقات لاحقًا العثور على أكثر من مئة وثيقة سرية في منزله شملت معلومات حساسة تتعلق بأسلحة الصين وجنوب أفريقيا فضلًا عن تفاصيل دقيقة تخص جيوشًا عربية ، كما تداولت بعض التقارير الصحفية احتمال استخدام معلومات قدّمها بولارد في الغارة الإسرائيلية على مقر منظمة التحرير الفلسطينية في تونس عام 1985 وهو ما نفته إسرائيل رسميا ، وسرعان ما تحوّلت القضية إلى شبه أزمة سياسية بين واشنطن وتل أبيب خاصة في ظل رفض إسرائيل إعادة الوثائق المسروقة ومغادرة عدد من الدبلوماسيين الإسرائيليين المشتبه بتورطهم الأراضي الأمريكية فورا ، وقد عبّرت الإدارة الأمريكية عن استيائها من ضعف التعاون الإسرائيلي فيما تصاعدت الضغوط من داخل الجالية اليهودية الأمريكية خشية أن تؤثر القضية سلبًا على الدعم الأمريكي التقليدي لإسرائيل.
وبعد تسعة أيام من تفجّر القضية قدّم رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز اعتذارا رسميا للولايات المتحدة مؤكدًا التزام حكومته بالتحقيق في القضية ومتعهدًا باتخاذ الإجراءات اللازمة في حال ثبوت التهم وقد قوبل هذا الاعتذار بترحيب رسمي أمريكي لا سيما من وزير الخارجية جورج شولتز الذي سعى إلى احتواء تداعيات الأزمة ومنعها من التحول إلى قطيعة سياسية ، ورغم الجهود الرسمية لاحتواء الأزمة فإن الرأي العام الأمريكي ووسائل الإعلام على وجه الخصوص لم يُبدِ استعدادا لغلق الملف سريعًا فقد استمرت الصحف في نشر مقالات نقدية وكاريكاتيرات لاذعة مطالبة بالتحقيق الكامل ومشيرة إلى أن إسرائيل تجاوزت حدود الثقة حتى بصفتها حليفا استراتيجيا ، وفي المقابل سعت إسرائيل ومناصروها إلى حصر القضية في إطار تصرف فردي وتصوير بولارد على أنه شخص غير متزن نفسيا أو هاوٍ للتجسس في محاولة للتقليل من خطورة القضية وحجم الأضرار التي لحقت بالولايات المتحدة ، وعلى الرغم من كل ما أثير من جدل وتساؤلات فإن المؤشرات السياسية لم تكن توحي بإمكانية حدوث تغيير جذري في العلاقات الأمريكية–الإسرائيلية ، فالمصالح الاستراتيجية المتشابكة وحجم الدعم الأمريكي لإسرائيل والنفوذ الواسع للجالية اليهودية داخل البنية السياسية والاقتصادية الأمريكية كلها عوامل حالت دون أن تتحول قضية بولارد إلى نقطة تحوّل حاسمة.
على الرغم من خطورة قضية بولارد وما كشفته من تناقضات حادة في العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية إلا أن المعطيات السياسية والاستراتيجية تشير إلى أن هذه القضية مهما بلغت حدتها لن تؤدي إلى تغيير جذري في مسار العلاقات بين الدولتين على المدى القريب ، فعمق المصالح المشتركة وتشابك النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري يجعل من هذه العلاقة أقوى من أن تهزها قضية واحدة مهما كانت فاضحة ، غير أن القيمة الحقيقية لقضية بولارد تكمن في بعدها التراكمي ، فهي تشكّل محطة إضافية في مسار طويل من الشكوك والأسئلة داخل الوعي الأمريكي قد لا تظهر آثارها اليوم لكنها بلا شك ستترك بصماتها على مستقبل العلاقة وعلى طبيعة الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل في السنوات القادمة..
حين تتجسس الحليفة على الحليف…. / بقلم : الدكتور مصطفى الموسوي…





