كانت “اساور” تشبه اسمها, رحلةً ليلية هادئة قبل أن يغتال تلك الرحلة خطأٌ طبيٌّ أحمق ، رفة جفنٍ من مشرطٍ غافل، جمدت الحياة في أطرافها، وحولتها إلى أسيرة لكرسيٍّ بارد لا يعرف معنى الالتفات وهي بعمر الورود,
مات والدها ذاك الجدار الذي كانت تسند إليه ضعفها، فتركها في مهب ريحٍ لا يرحم. دخل حياتها “ذئب” في ثياب زوج، لم يرَ فيها إنساناً، بل منجماً للمال وعنواناً للانكسار. كان يجلد صبرها بسياط الإهانة، ويقتات على تعب أصابعها النحيلة وهي تغزل من الصوف دفئاً للغرباء، بينما تعيش هي في صقيع روحه.
حين تمرد جسدها وأصيبت بحساسية الصوف، توقفت تلك الأصابع المبدعة عن الحركة. وبمجرد أن جفَّ منبع المال، لفظها ذاك القاسي كما يلفظ البحر حطام سفينة. عادت اساور إلى “بيت الورثة”، الزاوية الأخيرة التي تملك فيها حصة من ذكرى، لكن حتى هذه الزاوية ضاقت بها. الورثة اليوم يطرقون الأبواب، ليس للسؤال عن حالها، بل لإخراجها إلى العراء وبيع الجدران التي تأوي انكسارها
سبحت عيناها بدمع دافيء يدور بين جفون غادرها الأمان وهي تهمهم مع المجهول .
:- “إنَّ الإعاقة الحقيقية ليست في جسدي، بل في ضميرٍ يرى دمعي ولا يتحرك، وفي قانونٍ يترك الضعيف نهباً للطامعين
انا لست مجرد حالة، بل أمانة في أعناق الجميع. إنا من الناس الذين كبلهم المرض، وخذلهم البشر، وحاصرهم الفقر.
أين حقي في السكن الآمن؟ بعيداً عن أطماع الورثة.
أين الرعاية الطبية والاجتماعية؟ التي تعيد لي كرامتي المهدورة.
أين الحماية القانونية؟ من كل محتال استغل عجزي” ..
إنَّ يد “اساور” التي تركت غزل الصوف، تمتد اليوم لتمسك بأيديكم، ليس طلباً للصدقة، بل بحثاً عن العدل والرعاية والوطن. لنكن نحن العكاز الذي تستند إليه، والغطاء الذي يقيها غدر الأيام.
خلاص “اساور” يبدأ بقرار.. فهل من مجيب؟
اساور قصة قصيرة “نداءاستغاثة ” / فاضل محمد الربيعي





