قد لا يكون رفض الفنان الرائد عزيز جبر الساعدي لتسلّم وزارة الثقافة والإعلام موقفاً شخصياً عابراً، بل ربما هو انعكاس لرؤية عميقة لطبيعة العمل الثقافي في العراق، وللتشابك المعقد بين الثقافة والسياحة والتراث والإدارة السياسية.
فالرجل الذي قضى عمره بين المسرح والتعليم والتأليف يدرك أن الثقافة ليست منصباً بروتوكولياً، بل مشروع وعي طويل النفس، يحتاج إلى استقلالية وقرار حقيقي، لا مجرد واجهة إعلامية.
إن مطالبة د. عزيز جبر بفصل السياحة والتراث عن وزارة الثقافة قد تنبع من قناعة إدارية وفكرية؛ لأن هذه الملفات الضخمة كثيراً ما أثقلت المؤسسة الثقافية، وجعلت الإبداع والفنون في آخر سلم الأولويات.
فالتراث يحتاج إلى مؤسسات صيانة وآثار واستثمار، والسياحة لها منطق اقتصادي وتنفيذي، بينما الثقافة مشروع إنساني وفكري وتربوي مختلف تماماً. وعندما تجتمع هذه العناوين تحت وزارة واحدة، تضيع الثقافة أحياناً بين الفنادق والوفود والملفات الإدارية الثقيلة.
أما سرّ ترشيحه المتكرر أو تداول اسمه، فليس من الغريب أن يرتبط بتاريخه الطويل في معهد الفنون الجميلة، وخبرته الأكاديمية والمسرحية، وعلاقاته الواسعة داخل الوسط الثقافي العراقي والعربي. لكن المسألة لا تبدو قائمة على “العلاقات” بالمعنى الضيق، بقدر ما ترتبط بصورة رجل ظل بعيداً عن الصراعات اليومية، محتفظاً بسمعة تربوية وثقافية جعلت كثيرين يرونه شخصية قادرة على إدارة المشهد الثقافي باحترام وتوازن.
وربما هنا يكمن سرّ الرفض أيضاً؛ فبعض المثقفين الكبار يخشون أن يتحول تاريخهم الإبداعي إلى عبء سياسي، أو أن تصطدم أحلامهم الإصلاحية بواقع إداري معقد لا يسمح بالتغيير الحقيقي.
لهذا يفضّل بعضهم أن يبقى صوتاً نقدياً حراً، لا وزيراً محاصراً بالتوازنات والضغوط.
وفي النهاية، فإن السؤال الأهم ليس: لماذا يرفض؟
بل: هل البيئة الثقافية الحالية قادرة فعلاً على احتضان مشروع ثقافي بحجم الطموح الذي يحمله مسرحي وأكاديمي مثل د. عزيز جبر؟
وجهة نظر في ميزان التوافقات والاستقلاليه والنزاهة..بقلم د.حسن جمعة..





