مهكرين الريس | أحمد ناهي البديري

هيئة التحريرمنذ 19 دقيقةآخر تحديث :
مهكرين الريس | أحمد ناهي البديري

في ظل تصاعد المطالب الشعبية بمكافحة الفساد ووضع حدٍّ لحالات الهدر المالي والإداري، جاءت الإجراءات الأخيرة التي اتخذها رئيس مجلس الوزراء بحق مجموعة محدودة من المسؤولين والموظفين المتهمين بملفات فساد، لتثير تساؤلات واسعة في الشارع العراقي حول جدية هذه الخطوات ومدى قدرتها على الوصول إلى جذور المشكلة.

ولا شك أن اتخاذ إجراءات قانونية بحق أي مسؤول تحوم حوله شبهات فساد يمثل خطوة يمكن البناء عليها، إلا أن هذه الإجراءات، حتى الآن، لم تُترجم إلى صورة واضحة أمام الرأي العام، في ظل غياب تصريحات وتوضيحات كافية من الجهات ذات العلاقة بشأن طبيعة العمليات الأخيرة، وعدد المشمولين بها، والتهم الموجهة إليهم، والمسار القانوني الذي ستتخذه هذه الملفات.

إن مكافحة الفساد لا يمكن أن تكون انتقائية أو مرتبطة بمرحلة سياسية معينة، بل ينبغي أن تشمل كل من تثبت مسؤوليته أمام القضاء، أياً كان منصبه أو انتماؤه أو الجهة التي ينتمي إليها. ولذلك فإن الشارع العراقي ينتظر إجراءات أكثر وضوحاً وشفافية، تكشف للرأي العام حقيقة ما يجري، بعيداً عن التسريبات والغموض.

والأمل أن تكون هذه التحركات بداية لعملية جدية ومنظمة تستهدف الفساد الحقيقي، وأن تمتد لتشمل جميع المتورطين الذين تثبت إدانتهم، مع احترام الإجراءات القانونية وقرينة البراءة، وصولاً إلى محاسبة عادلة لا تستثني أحداً.

لكن التحدي الأكبر يبقى في قدرة الحكومة والمؤسسات الرقابية والقضائية على التحرك بعيداً عن تأثيرات القوى السياسية. فالمحاصصة السياسية، التي طالما شكلت عائقاً أمام بناء مؤسسات دولة قوية ومستقلة، يمكن أن تتحول إلى حاجز أمام أي حملة حقيقية لمكافحة الفساد إذا أصبحت حماية المصالح الحزبية مقدمة على مصلحة الدولة.

المطلوب اليوم ليس مجرد اعتقال عدد محدود من الأشخاص، بل بناء منظومة متكاملة لمكافحة الفساد تبدأ من كشف الملفات، مروراً بالتحقيق المهني والقضائي، وانتهاءً باسترداد الأموال العامة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته.

إن الرأي العام العراقي يستحق أن يعرف: ماذا حدث؟ ومن شملتهم الإجراءات؟ وما طبيعة الملفات؟ وإلى أين وصلت التحقيقات؟ وهل ستستمر الحملة لتطال الجميع دون استثناء؟

فالرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى المواطن هي أن القانون فوق الجميع، وأن مكافحة الفساد ليست شعاراً سياسياً ولا ورقة للمساومات، وإنما مسؤولية وطنية تتطلب إرادة حقيقية وشجاعة في مواجهة كل من يحاول الاحتماء بالمنصب أو الحزب أو المحاصصة.

ويبقى السؤال: هل ستكون إجراءات “مهكرين الريس” بداية فعلية لكسر جدار المحاصصة وملاحقة الفساد، أم أنها ستبقى مجرد خطوات محدودة سرعان ما تتوقف أمام الحسابات السياسية؟

عاجل !!