تتحرك الجماهير المعاصرة اليوم داخل فضاءات شبكية محاصرة تظن في ظلالها أنها تمارس حرية الاختيار والفاعلية الكاملة بينما هي في الواقع تخضع لأدق عملية هندسة سلوكية وتوجيه جمعي عرفه التاريخ البشري فلم يعد الترند مجرد ظاهرة اتصالية عابرة تنبت على هامش منصات التواصل الاجتماعي لتسلية الجمهور أو إثارة فضوله انما تحول إلى مؤسسة إنتاجية خفية تملك سلطة صناعة الأجندة اليومية وتوجيه بوصلة الرأي العام وإعادة تشكيل البنى القيمة والمعتقدات الثقافية للمجتمعات
ومن هذه الزاوية الحرجة والاشتباك المعرفي ينبثق كتابنا الجديد الإعلام وصناعة الترند المشارك حالياً في فعاليات معرض بغداد الدولي للكتاب ليحاول تقديم مقاربة نقدية صارمة تفكك البنية العميقة هذه البيئات الافتراضية ممتداً من تفكيك الهندسة البرمجية للمنصات وصولاً إلى قياس الارتدادات السيكولوجية والسوسيولوجية على الجمهور المعاصر
إن التأسيس الأول لفهم الظاهرة يتطلب مغادرة القراءات السطحية التي تفسر صعود المحتوى الرائج بأنه مجرد توافق عفوي من الجماهير حول قضية ما فالمنصات الرقمية الحديثة صُممت بنيتها البرمجية وهندستها المعرفية وفق مبادئ ما يُعرف بـ تكنولوجيا الإقناع واقتصاد الانتباه وهي بيأت هندسية تعمد تقنيا إلى خفض الجهد المعرفي للمستخدم فبدلاً من صياغة مواقف فكرية معقدة تتيح الأدوات خيارات مبسطة وسريعة مثل أزرار إعادة النشر والقوالب الجاهزة مما يجعل الانخراط في الموجة السائدة هو الخيار الأسهل والأسرع برمجياً وتأتي هذه السهولة التقنية مدعومة بنظام سيكولوجي صارم يعتمد على التغذية الرجعية والمكافآت المتغيرة فبمجرد محاكاة الفرد للهاشتاك الشائعة تكافئه الخوارزميات بدفع محتواه إلى واجهات الاستكشاف العامة وتغذية حسابه بدفعات فورية ومتذبذبة من الإشعارات واللايكات وهي ديناميكية لا تولد تفاعلاً بريئاً انما تثير في الدماغ تأثيراً دوبامينياً رقمياً يتحول معه الارتماء في حضن الترند من رغبة في التعبير إلى غاية سيكولوجية ملحة للحصول على الاعتراف والتقدير الرقمي اللحظي وإثبات الوجود داخل المشهد الافتراضي ومن هنا يُحدث الترند انقلاباً جذرياً على النظريات الكلاسيكية للإعلام فإذا كانت نظرية ترتيب الأولويات في نسختها التقليدية ترى أن وسائل الإعلام لا تملي على الجمهور ماذا يفكر انما تحدد له فيمَ يفكر فإن الترند اليوم يمارس هذه الهيمنة ولكن بوتيرة عدائية فائقة السرعة وعابرة للقارات والحدود الإقليمية والمشكلة الجوهرية تكمن في أن هذا التصدر لا يعكس مطلقا القيمة الموضوعية أو الأخلاقية أو الفكرية للقضية المثارة انما هو نتاج كفاءة آلية الانتشار الميكانيكي ذاتها ومع تكرار المضامين عبر موجات متلاحقة ومكثفة تكتسب الأفكار الهامشية أو المثيرة للجدل قبولاً وتطبيعاً معرفياً تدريجياً في الوعي الجمعي وهنا تتداخل الظاهرة مع أطروحة دوامة الصمت إذ يمتلك المستخدمون حاسة شبه إحصائية لمراقبة مناخ الرأي العام السائد وحين يرى الفرد أن موقفه الفكري يتعارض مع التيار الجارف للترند ينكفئ نحو الصمت الاستراتيجي خوفا من الإقصاء أو العزلة الاجتماعية الرقمية، وهذا التراجع للأصوات المخالفة يمنح الرأي الغالب هيمنة مطلقة ومصطنعة ممّا يفرز رأياً عاماً زائفاَ ويقوض التعددية الفكرية الحقيقية داخل الفضاء العمومي الافتراضي
ويبرز الفارق الجوهري والخطير بين الترند الرقمي والإعلام الكلاسيكي متمحورا حول مفهوم السرعة وزمنية الاختراق فما كان بستغرق شهورا ليتأصل في العقل الجمعي عبر التلفزيون والموضوعات الصحفية الرصينة يترسخ الآن في وعي الجماهير خلال ساعات معدودة وهنا يفتح كتاب الإعلام وصناعة الترند جسراً تحليليا مع الأطروحة السوسيولوجية الشهيرة للباحث الأمريكي روبرت بوتنام حول مصير رأس المال الاجتماعي المتمثل في رصيد الثقة والروابط البينية والأعراف المتبادلة المستدامة التي تشكل النسيج العضوي لأي مجتمع صحي
إن الترند الرقمي يفرز مفارقة حادة فهو يمتلك القدرة على حشد الملايين خلف شعار أو هاشتاك موحد في زمن قياسي، لكن هذا الحشد يفتقر تماماً للعمق أو القدرة على بناء رأس مال اجتماعي ترابطي في أرض الواقع الفعلي إنه انتشار شبكي أفقي يخلق تفاعلات لحظية وعابرة وسطحية تنطفئ تتبخر كليا بمجرد انخفاض الهاشتاك وصعود ترند بديل في دورة حياة رقمية بالغة القصر، ليصبح الفرد المعاصر الذي يندفع لمجاراة هذا التدفق مستنبطاً شعوراً ذاتياً زائفاً بالانتماء والمواطنة الفاعلة وهو شعور يمثل بديلاً هشاً ومؤقتاً عن أشكال الانتماء الاجتماعي الحقيقي التي تُبنى تاريخياَ عبر التفاعل المباشر وجهًا لوجه داخل البيئات المحلية إن هذا العمل لا يقدّم إجابات جاهزة للفضاء الرقمي بقدر ما يطرح أدوات نقدية ومنهجية تهدف إلى نقل المستخدم من مقعد المتلقي السلبي المتأثر بالخوارزميات إلى موقع المشارك الواعي القادر على قراءة ما وراء الشاشات إنها دعوة إلى استعادة التوازن بين فضاء افتراضي سريع التلاشي وواقع اجتماعي تتشكل فيه الأفكار والمواقف والاتجاهات ويلتقي الكتاب بقرائه من الأكاديميين والنخب الإعلامية طوال أيام معرض بغداد الدولي للكتاب، في قاعة بغداد الكبرى بجناح دار الكتب العلمية ليفتح صفحاته للنقاش والحوار العلمي الرصين
في كواليس “الإعلام وصناعة الترند” تفكيك برمجيات الوعي الموجه ورأس المال الهش مصطفى طارق الدليمي /زاوية “أرشيف وطن”




