ما اسمي؟! / أحمد عبد الحسين

هيئة التحريرمنذ ساعتينآخر تحديث :
ما اسمي؟! / أحمد عبد الحسين

ما اسمكَ؟

أنينُ أبٍ تتعرّقُ أصنامُهُ تحتَ إبطيهِ، أمْ تحديقةُ صقرٍ يزيحُ عن العالمِ رغوةَ الظهيرةِ،

أمْ الأمهاتُ في صحنِ البيتِ يضمْدنَ جرحَ البيتِ ويسندنَ نخلةً تتهاوى،

أم أنا ـ وأنا أصعدُ السلّمَ ـ أعمى تقتادُهُ بسالتُهُ إلى فخاخِهِ الأربعةِ:

 

ألف

حاء

ميم

دال

 

على السطحِ كانَ الهواءُ يلعبُ بحبلِ الغسيلِ ورملِ البروجِ،

كانتْ القمصانُ ترفرفُ يائسةً،

واسمي الطفلُ خفيفاً يكادُ يطيرُ.

كان لي اسم

وحدث أني نزلتُ السُلّمَ مُسرِعاً وكلّي عيونٌ تبكيْ ـ بعـدَ فواتِ الأوانِ ـ أباً يقاسمني الفجرَ وهسهسةَ النّارِ،

وسمعتُ من يهمسُ ورائي:

إنّا أنزلناهُ لنُرِيَهُ الألمَ وصريرَ الأسنانِ،

إنّا أنزلناهُ وسقيناهُ بالإسفنجة خلاًّ،

إنّا أنزلناهُ لنُحرِقَ أكليلَ الشوكِ على رأسِهِ،

إنّا أنزلناه

وكانت الهاءُ في (إنّا أنزلناهُ) إشارةً إلى هُويّةِ الغيبِ المُطلَقِ: (هو).

هو الموؤدةُ ملامحُهُ فيَّ ،

القارِعُ طبولَهُ الخفيّةَ في أُذُنِ طفولتي العمياءِ.

أينه؟

أينَ اسماؤهُ وصفاتُهُ تتحايَلُ على أسمائيْ وصفاتيْ لتَسْتَدرِجَنيْ إلى الصحراءِ.

فيا هو، أيّةُ متاهةٍ استدرجتْكَ، وكمْ من المرايا ردَّدَتْكَ حتى عُدتَ إليَّ مُثقلاً بالأنفاسِ،

كأنّما أنا ما يذكّرُنيْ بكَ أيها النابضُ في مُلابساتِ اليقينِ كالقلبِ، كأنما أنا ما يسترُ حنينَكَ إليَّ

أنا مَنْ يضعُ بيني وبينَكَ هذهِ الغُلالةَ المزركشـةَ بنداءاتِ الاستغاثةِ:

ألف: نداءُ ملائكةٍ خرساءَ توقظُ الجهات

حاء: نداءُ وَعلٍ جَريحٍ على فمِ الينبوعِ

ميم: نداءُ قاربٍ يَتشظّى في قهقهةِ البحرِ

دال: نداءُ عقيقٍ مرفوعٍ ليُختَبرَ في عينِ الشمسِ.

اسمي: ندائي على نفسي، كأني أنادي بائعَ الصُحفِ الأصمَّ،

نداءٌ لا يَصِلُ إذْ يَصِلُ إلا سُدى

كنداءِ ميديا في مطارٍ مُمْطِرٍ تدفعُ حقيبتَها وتضحكُ،

كنداءِ كوثرَ فيْ مقامِ التمكينِ تسـألُ عنْ وحدةِ الوجودِ وانقطاعِ الكهرباءِ.

هذهِ النداءاتُ الخفيضةُ ذكرتْنيْ بأبيْ، كان يقولُ: الاسم بيتٌ لا يمكنُ الدخولُ إليهِ لا مِنْ أعلى ولا مِنْ أسفلَ، لا مِنْ أمـسِ ولا مِنْ اليومِ، لكننا معَ ذلكَ نتلاطَمُ فـيهِ كما لو أنه وَكرُنا المَكينُ، مَنبتـُنا الذي، لفرطِ اندكاكِنا فيهِ، ننسـاهُ، أو لعلّه الفُجاءةُ التي قبلَ أنْ نُفهرِسَها تكونُ قدْ باشرتْ حفرَها في هوائِنا القريـبِ.

 

وتذكرتُ أيضاً:

كلُّ الأسماءِ، ومثلُها اسميْ، رسـائلُ أُحرقتْ قبلَ أنْ تُكتبَ.

كلُّ الأسماء، ومن بينها اسمي، إشاراتٌ إلى هُويّةِ الغيبِ المُطلَقِ: (هو).

هو: الرَحِمُ البارِدُ الكاذِبُ السامُّ الذي بانقباضهِ وانبسـاطهِ أكوْنُ.

هو: جَمهرةُ فراغٍ تَسُـدُّ عليَّ الطريقَ.

هو: قنطرةٌ مردومةٌ بينً الإنـسـانِ ونفسـهِ.

وأنا، كانَ لي اسمٌ

وَحَدَثَ في أُخرَياتِ أياميْ أنيْ رأيتُ في المنامِ أنّي أذبحُ أبيْ،

فاستفقتُ وفي يديْ مقبضُ سـيفٍ،

وعلى رأسيْ طائرٌ بلا اسم يزعقُ:

 

يا هـو

يا هو، كمْ مِنْ هواءٍ تكاثرتْ عليهِ الأجنحةُ ولا يطيـرُ إلا بكَ.

ومِنْ يومِها لمْ يَعُدْ ليْ اسمٌ.

 

ـ ما اسمُكَ؟

ـ نارٌ تريدُ أنْ تنطفئَ ولا تسـتطيع.

عاجل !!