طالب كريم
عن سلسلة “” حوارات “” التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة / وزارة الثقافة والسياحة والآثار صدر حديثاً كتاب “” هاشم شفيق جواب الشعر تحوّلات الكلام والتطعيم بالتجربة “” والكتاب هو حوارات أجريت مع الشاعر على مدى السنوات الماضية وعلى مدى خمسين عاماً ، ظل هاشم شفيق يطرح السؤال ويجيب بالشعر . هذا الكتاب ليس سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي ، بل هو حوار ممتد مع الزمن والتجربة والكلمة ، جمع فيها أبرز الحوارات التي أجريت معه منذ سبعينات القرن الماضي حتى اليوم ، فصارت أشبه بمرآة يرى فيها القارئ كيف يتحوّل الكلام حين يُطعَّم بالعمر والخذلان والدهشة . يرى هاشم شفيق أن الشعر ” فنّ يُبنى بالكلمات والرؤى والخيال ” ، فنّ تتخلله العفوية والفطرة أحياناً ، ويحكمه النظم والقوالب أحياناً أخرى . لكنه يصرّ على جوهره : الشعر فعل فردي شخصي لا يتسع لاثنين ، ولا يقبل يداً أخرى أو مخيلة مساعدة كما يحدث في فنون أخرى كالنحت والنُصب والسينما والمسرح ، هو صوت واحد ، إذا تشاركه اثنان ضاع . في هذه الحوارات نقرأ تحوّلات القصيدة العراقية والعربية من الداخل ، كيف خرجت من عباءة الكلاسيكية إلى فضاءات الحداثة ، ثم ارتدّت إلى الذات حين ضاق الأفق ، كيف صار الشاعر شاهداً على الحروب والمنافي ، ثم عاد ليكتب عن الوردة والبيت الأول . يتحدث هاشم شفيق بلا أقنعة عن طقوس الكتابة ، عن القصيدة التي تأتي بغتة كزيارة ، وعن تلك التي تُنتزع إنتزاعاً من الصمت . ” جواب الشعر ” هو إجابة الشاعر حين سُئل : مالشعر؟ وهو أيضاً السؤال الذي يتركه للقارئ بعد كل حوار : ماذا فعلت بك التجربة ، وبماذا طعّمت كلامك؟ هذا الكتاب وثيقة جمالية وإنسانية فيه خمسون عاماً من الإصغاء للغة ، ومن العناد الجميل مع القصيدة التي تأبى أن تكون إلا بصوت واحد . . فنّ فردي شخصي ، فالقصيدة تولد في عزلة كاملة بين الشاعر وورقته، ، لامُخرج يضبط إيقاعها ، ولا ممثل يعيد تأويلها ، ولا ملحّن يلبسها ثوباً صوتياً ، إنها التجربة الخام ، صوت الذات منفرداً بلا كورال ، بينما الفنون الأخرى تقوم على التشارك ، على الجهد الجمعي الذي تصهره رؤية واحدة ، يبقى الشعر واقفاً عند عتبة الفرد ، عصياً على القسمة ، من هنا تأتي فرادة الحوارات ، خمسون عاماً وهاشم شفيق يحرس عزلته الشعرية ويحاور العالم منها ، يخبرنا كيف تنضج القصيدة حين تُطعَّم بالتجربة ، وكيف يتحول الكلام العابر إلى جواب باقٍ ، فإذا كانت السينما تبني مشهداً بالصورة ، والمسرح بالجسد ، والموسيقى بالنغم ، فإن الشعر يبني عالمه بالكلمة وحدها ، ويترك للقارئ أن يكون مخرجه وممثله وموسيقاه ، وهذا ما يجعل الكتاب وثيقة مزدوجة ، هو من جهة سيرة ذاتية للشعر كما عاشها هاشم شفيق ، ومن جهة أخرى بانوراما نقدية لتحوّلات الذائقة العربية ، المحاور يسأل من موقع المجرّب الذي دفع ثمن كل كلمة كتبها ، وبين السؤال والجواب ، يتخلّق معنى جديد للشعر بوصفه فناً أخلاقياً وجمالياً في آن واحد . يقول هاشم شفيق ” لقد آثرنا أن نترك الحوارات كما هي ، بتواريخها ولغتها وحرارتها ، دون تنقيح يطفئ جمرتها الأولى ، القارئ سيشعر برائحة الصحف القديمة ، بصدى المقاهي الثقافية ، بقلق المرحلة وهي تُختبر على لسان شاعر يرفض أن يكون صدى لغير صوته ، وهنا تحديدا يكمن جواب الشعر : أن يظل فردياً وشخصياً ، حتى وهو يتحاور مع العالم كله ” . وفي هذا الكتاب ، يتكلم الشاعر هاشم شفيق بلا وسيط ، نسمع صوته واضحاً وهو يقول ” الشعر ليس مهنة ، بل هو ورطة جميلة ، تدخلها بكامل وعيك ، ثم تكتشف أنك لا تملك مفاتيح الخروج ، هو فنّ يُبنى بالكلمات والرؤى والخيال ، لكنه أحياناً يبنيك أنت قبل أن تبنيه ” . هذه الشذرات لاتغني عن قراءة الحوارات كاملة ، لكنها الباب الذي يدخل منه القارئ إلى خمسين عاماً من المكاشفة ، فكل جملة هنا كانت إجابة عن سؤال كبير ، وكل سؤال كان محاولة لفهم هذا الكائن الغامض الذي نسميه القصيدة ” .
يضم هذا الكتاب ستين حواراً أجريت مع الشاعر طيلة مسيرته الشعرية .
ويقع ب —– 288 —– صفحة من القطع الكبير
تصميم الغلاف للفنانة : زينب مهدي حسن . . .





