قصة قصيرة  – صابر – فاضل محمد الربيعي

هيئة التحريرمنذ 26 دقيقةآخر تحديث :
قصة قصيرة  – صابر – فاضل محمد الربيعي

قصة قصيرة

صابر

فاضل محمد الربيعي

بين أزقة بغداد التي تفوح برائحة الهيل ووجع الذكريات، كان “صابر” يخطو بقلبٍ يسبق عمره الغض بعقود . يطا  الارض بثقة الواثق . صبيٌّ في العاشرة، لكن ملامحه نُحتت من صخر الصبر، يحمل على كتفه دلة القهوة كأنها أمانة الوجود، يطوف بها في شوارع وازقة حارته، ينادي بصوتٍ رخيم يغالبه الحياء: “قهوة.. قهوة مهيلة طيبة””.

في زاويةٍ منسية من حطام الأيام، يرقد والده؛ جسدٌ أوقفه حادث مروري غادر عند محطة العجز، في ليلةٍ ليليةٍ شاحبة سرقت معها ضحكة الأم ودفء حضورها. هناك كانت زينب، أخته ذات الاثني عشر ربيعاً، تحاول أن تلملم شتات البيت الصغير وتعيش اعظم من عمرها الغض، تدير شؤون العجز بيديها الصغيرتين، بينما يقف صابر حارساً لآمالهم. كان لا يبيع القهوة ليقتات فقط، بل ليشتري “المستقبل”؛ يضع كراساته بجانب فناجينه، يذاكر دروسه تحت ضوء أعمدة الإنارة , ومع شحة النور يولد اصرار متجدد ،  كان متفوقاً رغم أنف العوز، كزهرة برية شقت طريقها بين شقوق الإسفلت ..

في ظهيرة بغدادية قائظة، وبينما كان يسكب القهوة لأحد المارة، انشق صمت الشارع عن دويٍّ مرعب . انفجارٌ هزّ أركان الحي، وتطايرت معه شظايا الموت لتختار عيني صابر هدفاً لها. سقطت الدلة، وسال السواد والدم على كراسته التي كان يخبئها في جيبه.

نُقل الصغير إلى المشفى، وبين أروقتها الباردة التي تفوح برائحة المعاناة، جاء الحكم القاسي من وراء نظارات الطبيب:

:- تحتاج لعملية فورية لإنقاذ بصرك، وتكلفتها باهظة.. وإلا، فعليك الانتظار أربعة أشهر في طابور المنتظرين .

نظر صابر بقلبه – لا بعينيه المغطاة بالشاش – إلى يديه الخشنتين. لم يكن يملك سوى مبلغ  معدود، ثمن خبز المساء ودواء والده. أربعة أشهر في قانون “الفقر” تعني الظلام الأبدي

مضت الأيام، ولم تطرق المعجزة بابه. تعفّف صابر عن السؤال، وجلس في ركن بيته المظلم يسمع أنين والده ودعوات أخته المكتومة. لقد سرقت الشظية الضوء من عينيه، لكنها لم تسرق الكبرياء.

كان يجلس والكتب بين يديه، يمرر أنامله على الورق وكأنه يحاول استجداء الكلمات لتنطق، لكن السواد كان سيد الموقف. لقد فقد بصر عينيه لأن جيبه كان خالياً، ولأن العالم كان مشغولاً عن صبيٍّ يبيع القهوة في زحام الموت.

صار صابر اليوم يشم رائحة بغداد، يسمع ضجيجها، ويتنفس ذكريات أمه. لم يعد يرى الشمس وهي تشرق فوق دجلة، لكنه صار هو “الشمس” التي تضيء عجز والده بقلبٍ يامل الخلاص. سيبقى صابر قصةً وجعٍ مخبوءة في قلب بغداد؛ الصبي الذي أطفأ الفقرُ عينيه، لكنه لم يستطع إطفاء كرامة روحه التي ما زالت تفوح بعطر الهيل والوفاء

عاجل !!