الاستلاب وانشطار الذات في رواية( لحياة غير مكتوبة) لنعيم آل مسافر / الناقد كمال عبد الرحمن

هيئة التحريرمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
الاستلاب وانشطار الذات في رواية( لحياة غير مكتوبة) لنعيم آل مسافر / الناقد كمال عبد الرحمن

تحت ضغوط مختلفة خارج طاقة الشخصية، قد تحدث التحولات ولعل أخطر هذه التحولات هي الاستلاب وانشطار الذات، أحدهما يسبب الآخر، فالاستلاب هو الذي يربك الذات بما يحدث فيها من خلخلة نفسية، تخرجها من إطارها الشخصي، وتحولها الى عوالم مفترضة في الغالب لاتمت الى الواقع بصلة، والاستلاب هو بحسب” دورالي يلماز” (يعني: سلخ الحواس ونزع ملكات التفكير كلها، أو بعبارة أدق: تفريغ المخ بتأثير صدمة)، ويهيّء البشر لهذه الصدمة ويكيفهم لها تلك الظلمة الحالكة في عيونهم، ولا شيء سواها، والاستلاب بمعنى آخر أن الشخصية أو الذات تتمزق داخلية وتصبح غريبة عن ذاتها وكيانها، بل عن عالمها الداخلي كله، وتتحول الى ذات مضطهدة، تعاني من انتزاعات الهواجسWhatsApp Image 2026 04 27 at 3.57.00 PM 2 والأمراض وتدخلات الآخر في مصائرها، فالذات المستلبة يصبح وجودها غير أصيل، لأنها وقعت تحت تأثيرات خارجية فرضت ارادتها على الشخصية المستلبة، لذلك تتميز هذه الذات بضعف قدرتها على اتخاذ القرارات الصحيحة أو اظهار مشاعرها الداخلية، حيث يصبح الشخص عبدا للظروف والأشياء المحيطة به، “كما أن هذه الشخصية مهزومة ومستسلمة للأعراف والتقاليد، تنقاد لغيرها من الناس، وتتقبل الآراء دون مناقشة وتمحيص حتى ولو كانت خاطئة، وهي تعاني من القهر والعزلة، وتعيش عالمها الداخلي تجتر ذاتها وتلوك أمانيها وتعيش في أحلام اليقظة لتعوض فيه إخفاقها في الواقع”، وفي الرواية المعاصرة يمثل الاستلاب  تعبيرا سرديا عن حالة اغتراب الفرد وفقدان ذاته تحت عوامل ضغط نفسية، سياسية، ثقافية، اجتماعية وغيرها.

ما يهمنا هنا أن نقول قبل كل شيء إن الروائي نعيم آل مسافر قد تخصص دون غيره بكتابة نوع من الروايات لم نألفها عند غيره من الروائيين العرب، هي الروايات المركبة التي تعتمد على دمج عناصر مختلفة كالرعب والخيال العلمي والفنتازيا وعلم النفس والفلسفة  وغيرها، ويخرج من  هذا المزيج رواية جديدة لاتحمل صفة من العناصر التي أسستها، فقد تكون رواية ساخرة، أوتبادل أدوار، أو رواية عميقة تدخل كالسيف في أعماق النفس البشرية، وما تخلفه ليس إلا حبكات متشظية وشخصيات هلامية وحوارات لامنطقية ونهايات لانهاية لها، من هنا نقول أن الروائي نعيم آل مسافر قد وضع نفسه في فوهة المدفع، لعله يستخرج من جمرات الروح أرواحا متشظية انهكها الاستلاب، وهذه  حسنة لصالح آل مسافر الروائي الرائي الذي رأى، فيما نحن نبحث في الجهات الست عن أنفسنا وعمّن نراه أو يرانا.. فلا يرانا أحد!.

WhatsApp Image 2026 04 27 at 3.57.01 PMصعب أن تقرأ رواية ( لحياة غير مكتوبة)، وصعب أن تعي النسق المضمر الذي أخفاه المتألق آل مسافر عن مداركنا، وصعب أن تبحث فيه عن المعنى الغائب فلا تجده، ترى كم هو صعب أن تكتب عن هذه الرواية الفريدة في زمانها بعد أن مضى زمن المعجزات السردية الجميلة، ولكن هذا هو المتألق نعيم آل مسافر في مدوناته السردية كلها، سارد مختص في اقتحام العقبة، يذهب الى الغاص من النفس البشرية، حيث تختفي منطقة الأسئلة الكبرى ، وهي كما هو غير معروف منطقة غير منزوعة السلاح، وينتقي لأرواحنا التي اغتصبها الوجع  شيئا من حسرات آدم بعد اللذة  وابتسامات أيوب بعد الصبر، والحق أن المتألق ـــ دائما ـــ آل مسافر يربك حساباتنا النقدية، فلا نجد في رواياته ثمة ضوء  في آخر النفق، والسبب أنه في الاصل لايوجد نفق، فكتابته معروضة على رائعة النهار، وهو يحرث في الارض الكأداء، ويتيح لآمالنا فرصة العثور على منابت الحكايات الغريبة، حكاية هي ( لحياة غير مكتوبة) حكاية الاستلاب والتشظي والانشطار:

(( أغلق الرواية، واضعا إياها على الطاولة التي كانت بجانب سريره حيث يستلقي، فهاجمته هواجس وتساؤلات كثيرة أرقت سهاده ـ ماذا لو حصل لي ما حصل لغريغور؟ ما الذي سأفعله حينها؟ وهل سيشمت بي والدي؟ فقد حذرني كثيرا من ادمان قراءة الروايات. أم أنه سيتعاطف معي، ويتقبل وجود كحشرة عملاقة في بيته أول الأمر، كما فعل السيد سامسا مع ولده ؟، وجعلته يستغرق بأفكاره طويلا، متقلبا في فراشه، ثم نهض وأشعل الاضاءة ، وظل يدور في الغرفة قلقا متفكرا. تناول حبة( تربتزول) المهدئة، وسمع صوت والده من خلف الباب، يتوسله بنبرة أبوية حنون:

ـــ لقد تأخر الوقت كثيرا، والسهر مضر بصحتك يا بُني)) الرواية، ص 11.

من هنا تبدأ حكاية الشاب المستلب أو الرجل الذي صنعته الروايات، فقد خرج من جلده ودخل جلد ” غريغوري سامسا” وبات ينتظر التحولات المفاجئة التي ستطرأ عليه، وهل سيتحول الى صرصار كبير يشبه صرصار” كافكا” في رائعته المسخ، أم سيتحول الى مخلوق آخر مثل( الفونسو) الذي أقام علاقة محرمة مع(الجميلة دونيا لوكريثيا) زوجة أبيه المفترض( دون ريغو بيرتو)، ومن هو ؟ من أنت ( مضر أم تماضر أم ضامر ) أي هؤلاء أنت؟، فإذا كنت تعلم أيهم أنت من هؤلاء ، فكيف تحولت من ( مضر) الى ( تماضر) وانت تخرج من  السباحة  في ماء النهر؟، تنظر الى صورتك المنعكسة في الماء فترى صورة امرأة شابة، لاصورة رجل اسمه ” مضر” ما الذي يحدث فيك يا ” مضر” حتى تتحول فجأة وبدون مقدمات الى ” مدام تماضر”، أيعقل أن يُستلب عقلك الى هذا الحد، فلم تعد تفرق بين الذكر والأنثى:

(( فتح عينيه ثانية، وعاد الى التحديق في الصورة المنعكسة على وجه الماء، متلمسا جسده ببطئ  وحذر شديدين، ففعلت الصورة مثله! مد يده نحو صدره، فوجده عاليا بمرتفعين لدنين، خمن أنهما..!، همس بتوجس وخوف شديدين:

ـــ يا الهي…!

توقف عندهما، ولم ينزل يديه الى ما تحت سرته، فيجد شيئا قد تحول هو الآخر الى..

)) الرواية،ص55ـــ 56.

هذه بداية التحولات الكبرى التي ستعصف بشخصية” مضر”  وتحدث الانقلاب المصيري العظيم في شخصيته، عندما يتحول الى السيدة ” تماضر” زوجة الدكتور أدهم العوض، وهذه سلسلة من صور الاستلاب التي ضربت شخصية” مضر”، فقبلها مارس الاستلاب سطوته على شخصيته حتى كاد يتحول الى” مسخ” شبيه ب” مسخ كافكا”، ثم اغتصب منه الاستلاب حياته كلها في مراحل عدة، فهو متزوج وغير متزوج، وهو عاقل ولاقدرة لديه على وضع الحلول لموجات الاستلاب التي شطرت ذاته من خروجه بين وقت من شخصية” مضر” وتقمص الشخصيات التي أدمن قراءتها في الروايات:

(( فشعر بالتوتر والاختناق، وكأن أنفساه تضعف! فظل يصارع من أجل نسمة هواء ــ لست غريغور، لست غريغور، أنا مضر، أن شخصية حقيقة خارج الرواية ـــ حتى سقط من السرير، فندّت من أنّة  عندما ارتطم بأرضية الغرفة، لكنه تمكن من استنشاق الهواء، آثر أن يبقى مستلقيا على السجادة، حتى يلتقط أنفاسه قبل أن يعود الى السرير، وقرر أن يبقى مستيقظا حتى الصباح، خوفا من أن يغفو ويصيبه ما أصاب غريغور)) الرواية،ص12.

ولايمارس عليه الاستلاب شخصية واحدة فتنشطر الذات باتجاهين، ولكنه لايستطيع العيش خارج عالم الروايات، فكلما قرأ رواية ما أحس أنه بطلها أو شخصية رئيسة من شخصياتها، وهذا ما أخرجه من الواقع الى عوالم أخرى، لم يعد يعرف ما هي والى أين تقوده، وهل هو ” مضر” أم” غريغور سامسا” أم هو ” الفونسو” الذي يعشق زوجة أبيه، أم هو ( البرنس شارمنج) الذي يحمل فردة حذاء سندريلا، أم أنه” الشاب كارل روسمان” الذي استجاب لإغواء الخادمة وانجبت منه طفلا، فنفاه والداه الى أمريكا تفاديا للفضيحة، ترى كم مرة ينبغي على ” مضر” أن يتقلب على جمر المُسميات، بينما يُنتزع جلده وتُطمس هويته، وتتشظى شخصيته، وتنشطر ذاته عند قراءة كل رواية جديدة، لم يعد باستطاعته أن يحصي عدد الشخصيات التي تقمصها أو التي تقمصته هي، فأُخرِج من مرارة الواقع الى علقم الافتراض؟ والسؤال الأعظم الذي لاجواب له كيف بدأت تلك التحولات؟ ولماذا هو مستلب؟ لارأي، لاشخصية، لا قرار؟ هل بدأت الحكاية مع رواية ” المسخ” التي مسخت عقله واستلبت كيانه وشخصيته، وكيف صار يتنقل بين شخصيات الروايات التي  كان يقرأها ويتقمصها شخصية فشخصية، حتى فقد شخصيته الحقيقية، وعندما أوغل الاستلاب في لحس عقله، تحول بقدرة قادر من الشاب ” مضر” الى السيدة” تماضر” وغاص في شخصيتها، لكنه أخفق أن يجد نفسه في أي من الشخصيات التي عاشها، ليقع في النهاية في مطب الحقيقة التي ينكرها مع أنها قائمة لا لبس بها:

(( ــ هذه ابنتي حنان ، وهؤلاء أطفالها، لقد هجرها زوجها بعدما أصيب بمرض نفسي غريب، ولك أن تتصور محنتنا يا بُني ، لأنه يعتقد نفسه غير متزوج أصلا، ويتوهم أنه يعيش حياة غير حياتنا ، هل سمعت بأحد يعيش داخل الروايات؟!؟

فقال ضامر في نفسه:

ــ يا له من غبي ليترك هكذا زوجة جميلة، وهكذا أطفال صغار! كأنني رأيت هذه الفتاة من قبل؟ أو سمعت هكذا حكاية.

التفتت اليه حنان مسلمة بتودد، ودمعة تغالبها النزول:

ــ مضر كيف حالك؟ ألا تتذكرني؟ ألا تتذكر هؤلاء الأطفال؟

ألم أقل لك يا ضامرانهم ينصبون لك فخا؟ هاهي تسميك مضر، وتدعي أن نسيتها  ونسيت أطفالها، وان لم أقطع الحديث ستقول لك إنها زوجتك وهؤلاء هم أطفالك الذين نسيتهم عندما أصبت بمرض نفسي بسبب كثرة قراءاتك للروايات، حتى التبس عليك الواقع  بالافتراض)) الرواية، ص128.

أيعقل أن يُستلب كل شيء في حياة” مضر” زوجته الحقيقية وأطفاله، وعائلته  و صلة الدم؟، وكيف دمرت الروايات التي قرأها حياته، فانشطرت شخصياته الى شخصيات متعددة؟

في الختام الروائي الرائي نعيم آل مسافر يبعث رسالة من خلال روايته هذه الى مجتمع القرّاء، بأن الاستلاب قائم، فحافظوا على شخصياتكم من التشظي، وعلى أرواحكم من التيبس في جحيم القراءات الخاطئة، فالاستلاب ليس في تلبس الشخصيات الروائية فحسب، بل هو في الخوف من التبعية الثقافية للغرب، ومحاكاة نماذجه، مع انقسام الذات العربية بين التقليد والمعاصرة، وهو ما يؤسس الى نوع من الاغتراب المخيف وهو الاغتراب داخل الوطن، حيث نفقد خياراتنا في العيش الصحيح، وندور في متاهات الانتماء واللانتماء والتشظي والاستلاب وانشطار ذواتنا بين الحقيقة والافتراض ، وفي النهاية  تضيع هويتنا التي كينونتنا وحضارتنا و أصالتنا وسبب وجودنا..رواية كتبها المتألق نعيم آل مسافر، سيقرأها الجميع، ويتحدث عنها الجميع كمعجزة سردية حاضرة في زمن ولت به المعجزات!

تأخذنا الدر

عاجل !!