كانت “الفاو” تستيقظ كلَّ فجرٍ على ترانيم البحر، وفي ذلك الصباح، لم يكن “نجم” يحملُ في جعبتهِ سوى أملٍ بسيطٍ وقاربٍ خشبيٍّ أنهكَه الملح. خرجَ الصيادُ بقلبهِ المليءِ بحكايا الصبرِ والكدح، يداعبُ المياهَ التي ألفتْه وألفَها، باحثاً عن قوتِ يومِه بشرفٍ يليقُ بأبناءِ النخيل.
لم يكن يعلم أنَّ الموتَ يتربصُ بهِ خلفَ الأفق، ببرودٍ يثيرُ القشعريرة؛ حيثُ نُفذت الجريمةُ بدمٍ باردٍ لا يعرفُ الارتجاف. لم تكن طلقاتهم مجرد رصاصٍ طائش، بل كانت إرادةً صلبةً لإنهاءِ حياةٍ لم تكترثْ لصرخاتِ الاستغاثةِ التي ذابت في هديرِ الماء. شعر “نجم” في لحظاته الأخيرة بمرارةِ الغدر، حيثُ اختلطَ صقيعُ الرصاصِ بحرارةِ دمائِه التي تلوّنت بها زرقةُ البحر، وأحسَّ بوخزِ الألمِ يعتصرُ جسدَه وهو يرى زورقه، بيتَه العائمَ ورفيقَ كدحِه، يغرقُ تحتَ وطأةِ نيرانِهم التي لم ترحم ضعفَه ولا بساطتَه، تاركةً إياه يصارعُ الموتَ وحيداً في مياهٍ كان يظنها حضنَه الدافئ.
تحوّل ذلك الخشبُ العتيقُ إلى كتلةٍ من لهب، وتلاشى صوتُ “نجم” في لُجّةِ البحر، تاركاً خلفه ثقباً لا يلتئم في قلبِ عائلتهِ التي كانت تنتظرُ عودتَه على شاطئ الوفاء. ولم تكتفِ النيرانُ بالجسد، بل امتدت يدُ الظلمِ لتأسرَ الرفاق، مُهينةً كبرياءَ الرجالِ الذين لم يعرفوا يوماً سوى العملِ الحلال. ومن صيادٍ يصارعُ الموجَ لأجلِ رغيفِ خبز، تحوّل “نجم” إلى أيقونةٍ تلمعُ في سماءِ الذاكرةِ العراقية، شاهداً على دماءٍ سُفكت ببرودٍ لا يعرفُ الرحمة، وعلى حقٍ ضاعَ بين حدودٍ لا تحمي أصحابَ الأرض.
في البيتِ الصغيرِ الذي خيّم عليهِ صمتٌ جنائزيٌّ ثقيل، تجلسُ الأرملةُ تضمُّ أطفالاً لا يدركونَ لِمَ تأخرَ القاربُ هذهِ المرة، ولماذا لا يُجيبُ الأبُ نداءاتِهم حينَ يهبُّ ريحُ البحر. لم يرحل نجمٌ وحده، بل رحلت معهُ ضحكاتُ الصغارِ وأمانُ الدار. بقيَ الفراغُ المرير، وبقيت الأسئلةُ العالقةُ في حلوقِنا كغصّةٍ أبدية: إلى متى تظلُّ دماءُ أهلِنا مائدةً مباحةً للغزاة؟ لقد غابَ نجمٌ عن صيدِه، لكنه صارَ قمراً في سماءِ الفاو، يضيءُ عارَ القتلة، ويُذكّرُ كلَّ عراقيٍّ بأنَّ الحُرمةَ لا تُصانُ إلا بالوحدة، وأنَّ الدمَ الذي يُراقُ بلا ثمن، سيظلُّ لعنةً تلاحقُ صمتَ السنين، حتى يستردَّ الوطنُ هيبتَه، ويطمئنَّ المواطنُ في أرضِه، ويعودَ الصيادُ بكرامته لا بدمائه.





