في الغرفةِ التي تفوحُ برائحةِ الورقِ العتيقِ ومزيجِ القهوةِ والهيل، كانَ يجلسُ «عاصم». أديبٌ خطّ الشيبُ في مفرِقِهِ دروباً من الخيباتِ والمسرّات، وتحوّلتْ تجاعيدُ وجهِهِ إلى سطورٍ لم يُكتبْ لبعضِها أن يُنشر.على الجدارِ المقابلِ لمكتبهِ الخشبيّ المتهالك، كانتْ تعتصمُ ساعةٌ جداريّةٌ أثريّة، مصنوعةٌ من خشبِ الجوزِ الداكن. لم تكنْ مجرد آلةٍ لعدِّ الأنفاس، بل كانتْ شريكةَ سُهادِهِ، وصديقةَ عزلتِه. لسنواتٍ طوال، كانَ بندولُها النحاسيّ يترددُ يميناً وشمالاً كأنهُ قلبٌ ينبضُ بوجعِ الأيام، يُذكّرُهُ برحيلِ الأحبّةِ وتوالي نكباتِ القدر التي أثقلتْ كاهلَهُ بالشجن .
كلما جنّ الليلُ، وانهمرَ الصمتُ على أرجاءِ الغرفة، كانَ عاصم يدخلُ في حالةٍ من التناغمِ الصوفيّ مع تلك الساعة. تيكْ… تاكْ… تيكْ… تاكْ. لم يكنْ يسمعُها صوتاً رتيباً، بل كانَ يترجمُها في ذهنِهِ إلى حروفٍ وكلمات.
مع كلِّ دقةٍ، كانتْ تنهالُ عليهِ من سقفِ الذاكرةِ حروفُ العطاءِ الثرّ. يمسكُ قلمَهُ السيّال، وكأنَّ البندولَ يمدُّهُ بالطاقةِ والوحي. يكتبُ عن الوجعِ فيُحيلُهُ جماداً، ويكتبُ عن الأملِ فيبعثُهُ حيّاً. كانتِ الساعةُ جدارَ الزمنِ الذي يستندُ إليهِ لئلا يسقطَ في بئرِ اليأس .
:- “إنّ الحزنَ يا صديقتي القديمة ليسَ إلا غشاوةً مؤقتة، والكاتبُ الحقيقيّ هو من يصنعُ من رمادِ انكساراتِهِ حبراً يضيءُ عتمةَ الآخرين.” هكذا كانَ يهمسُ لها في جُنحِ الدجى .
وفي ليلةٍ شتائيةٍ باردة، عاصفةٍ بالرياحِ والذكريات، كانَ عاصم يمرُّ بأقسى لحظاتِ شجَنِهِ. شعرَ بمرارةِ الفقدِ تلتهمُ ما تبقّى من روحه، وكادَ يلقي بقلمِهِ أرضاً ويُعلنُ هزيمتَهُ أمامَ ضرباتِ القدرِ المتلاحقة .
نظرَ إلى الساعةِ مستنجداً، وفي تلك اللحظةِ بالذات… حدثَ ما لم يكنْ في الحسبان.
دقتِ الساعةُ معلنةً منتصفَ الليل، لكنّها في الدقةِ الأخيرةِ أصدرتْ رنيناً رخامياً دافئاً، ثم… توقّفتْ.
توقّفَ البندولُ عن الحركة، وتسمّرَ العقربانِ عندَ تلك اللحظةِ الرائعة. في تلك الومضةِ الخاطفة، انشقّ صمتُ الغرفةِ عن شعورٍ غريبٍ غمرَ كيانَهُ. لم يكنْ توقفُ الساعةِ مؤشراً على الموت، بل كانَ تجسيداً لخلودِ اللحظة. انفتحتْ بصيرتُهُ، وتدفقتْ في قلبهِ قشعريرةُ حبٍ جارفٍ للحياة.
أدركَ عاصم أنَّ الزمنَ ليسَ سيّداً يقهرُنا، بل نحنُ من نمنحُهُ المعنى. نظرَ إلى العقربِ الواقف، ورأى فيهِ دعوةً صارخةً من الغيب: «قِفْ مكانَكَ، تأمّلْ، وعِشْ!»
دعوةٌ لعناقِ الحياة .
تحرّرتْ روحُ الأديبِ من أسرِ الماضي وخوفِ المستقبل. انهمرتْ عليهِ الحروفُ بغزارةٍ لم يعهدْها من قبل، حروفٌ تفيضُ بالنورِ والعطاءِ الثرّ. عادَ إلى أوراقِهِ بلهفةِ عاشقٍ، وخطّ بيمينِهِ كلماتٍ تضجُّ بالحياة
إنَّ نكباتِ القدرِ ليستْ إلا صقلاً لأرواحِنا، لتصبحَ أكثرَ لمعاناً.
الألمُ ضيفٌ عابر، أما الجمالُ فمقيمٌ في تفاصيلِ الرضا.
العيشُ ليسَ في انتظارِ انقضاءِ العاصفة، بل في تعلمِ الرقصِ تحتَ المطر.
تركَ عاصم ساعتَهُ القديمةَ واقفةً على جدارِ الزمن، تخلّدُ تلك الومضةَ التي تولّدَ فيها من جديد. لم يُصلحْها أبداً، فما حاجتُهُ لعدِّ الدقائق، وقد تعلّمَ أخيراً كيفَ يعيشُ الحياةَ بكُلِّ جلالِها وعنفوانِها، نابضاً بالأمل، متجاوزاً كُلَّ شجن؟





