قراءة في قصيد.. الشاعر جواد الشلال / بقلم : د.عزيز جبر الساعدي

هيئة التحريرمنذ 59 دقيقةآخر تحديث :
قراءة في قصيد.. الشاعر جواد الشلال / بقلم : د.عزيز جبر الساعدي

قراءة في قصيد..
الشاعر جواد الشلال، ،
بقلم : د.عزيز جبر الساعدي
.
(( سيرةُ يومٍ يشبهُ الإهمال

تتسمرُ بالإهمال ،
كم هو ناعمٌ يشبهُ لبَّ الجوز ،
تنشغلُ بالفراغِ وعيناتٍ لا تتشابه،
تقرأ لشاعرٍ صديقٍ يملكُ رأسينَ منَ الحزنِ ولا يصرخ ،
قررَ أنْ يغرقَ بالتدريج ،
تعودُ وتتابعُ أثرَ = ابن حسنةَ العدوية = شاركَ يوما ما في حروبِ الردة ،
تبحثُ عن أحدثِ المسلسلات ،
أحدهم تزوجَ ثلاثَ نساءٍ ويجيدُ توزيعَ الكذبِ بتساوّ مريح ،
ولابدَ من السيرِ قليلاً ،
لزيادةِ المودةِ مع الأرصفة ، وتتأمل صرخةَ الفقر ،
لم يعدْ أحدٌ يسمعُ بتأني ،
تعودُ مرةً أخرى ترى التظاهرات ” والمولوتوف ”
وأسعارَ صرفِ أرواحِ الناس ، وبعد إفراغ كلِّ هذهِ التفاصيلِ المكررة ،
عليك أنْ تكتبَ لحبيبتك نصّاً تذكرها بأنَّكَ ليس مشغولاً بسواها . ))

هذا النص يشتغل على منطقة دقيقة بين السخرية الهادئة والوجع المؤجل، وكأن الشاعر يكتب يوميات إنسان معاصر يمرّ بكل شيء… دون أن يتورط بالكامل في أي شيء.
منذ البداية، عبارة “سيرةُ يومٍ يشبهُ الإهمال” تضعنا أمام مفتاح القراءة: اليوم ليس حدثًا، بل حالة ذهنية؛ حالة من التراخي الوجودي، حيث كل شيء يحدث بلا معنى واضح. ثم تأتي المفارقة الذكية في وصف الإهمال بأنه “ناعمٌ يشبهُ لبَّ الجوز”—تشبيه يخفف من قسوته، لكنه في العمق يكشف خطورته: الإهمال ليس دائمًا صاخبًا، بل قد يكون مريحًا، مغريًا، بل ومخدرًا.
الانتقال بين الصور سريع، لكنه مقصود:
قراءة شاعر “يملك رأسين من الحزن ولا يصرخ” ترسم نموذجًا للمعاناة الصامتة، وكأن الألم صار مهارة مكتسبة.
الإشارة إلى “ابن حسنة العدوية” وحروب الردة تمنح النص بعدًا تاريخيًا عابرًا، لكنه يوظف كخلفية بعيدة، كأن الماضي نفسه صار مادة للاستهلاك اليومي، لا للتأمل.
ثم القفز إلى المسلسلات، والزواج، والكذب “الموزع بتساوٍ مريح”… هنا السخرية تبلغ ذروتها، إذ تتحول العلاقات الإنسانية إلى نظام توزيع!
المشهد الحضري حاضر بقوة: الأرصفة، الفقر، التظاهرات، المولوتوف… كلها تمر كأنها لقطات في نشرة أخبار داخلية، لا تُحدث صدمة بقدر ما تؤكد الاعتياد. الجملة: “لم يعد أحد يسمع بتأني” هي من أكثر الجمل كثافة—تلخص أزمة العصر: الضجيج لا يمنح فرصة للفهم.
أما النهاية فهي ضربة ذكية: بعد كل هذا الزخم من القضايا الكبيرة، يُطلب من الذات أن تكتب لحبيبتها “لتؤكد أنها ليست مشغولة بسواها”. هنا المفارقة المؤلمة: الإنسان غارق في كل شيء، لكنه مضطر لتزييف البساطة العاطفية.
النص إذن لا يهاجم الواقع مباشرة، بل يكشف تآكل الإحساس به. السخرية فيه ليست للضحك، بل لتعرية هذا الاعتياد الخطير على الفوضى،،

د.عزيزجبر الساعدي / بغداد

عاجل !!