قصيدة للدكتور سعدي عبد الكريم بمحاذاة إشارة المرور

هيئة التحريرمنذ 14 دقيقةآخر تحديث :
قصيدة للدكتور سعدي عبد الكريم بمحاذاة إشارة المرور

054658
ماتَ المُتسوّل على الرصيف
مُضرَّجاً بفقره
مُغطى بسترته المُهترئة
وأوراق الصحف اليومية
مات بلا وصية
لِمَنْ بوصي !
لا حبيبة؛ لا زوجة؛ ولا ولد
كان يتبرع بنصف دنانير (الكَدية)
لصالح صندوق بيت قريب للأيتام
والنصف الآخر للفقراء
وحين تسامى إلى السماء
هبطت زخات مطر بلون

45346

الضّوء
على روحه الصاعدة !
فغسلت الغيمات خطاياه
قبل أن يلّج الجنة
د.سعدي عبد الكريم..

قراءة بقلم عزيز جبر الساعدي:
تنهض هذه الومضة الشعرية على مفارقة إنسانية عميقة: موتُ المتسوّل بوصفه حدثاً عابراً في فضاء المدينة، يقابله صعودٌ روحي استثنائي يكشف عن جوهرٍ نقيٍّ يتجاوز مظهر الفقر والعوز. فالشاعر سعدي عبد الكريم لا يقدّم شخصية هامشية بقدر ما يعيد تعريف “المركز” الأخلاقي للإنسان.
منذ السطر الأول، يضعنا النص في مشهد يومي مألوف: “بمحاذاة إشارة المرور”، لكن هذا المألوف ينقلب سريعاً إلى لحظة تأمل وجودي. فالمتسوّل “مُضرَّجاً بفقره” ليس مجرد جسد منهك، بل كائن مكلل بقدرٍ من الألم الإنساني الذي يتحول إلى علامة تطهير، لا إدانة. هنا تتحول مفردة “الفقر” من حالة مادية إلى حالة رمزية تُغسل بها الروح.
الذروة الأخلاقية للنص تتجلى في فعل العطاء الخفي:
“كان يتبرع بنصف دنانير (الكَدية)…”
هذه المفارقة — أن يمنح المعدم غيره — تُعيد ترتيب سلّم القيم، حيث يصبح المتسوّل أكثر ثراءً من محيطه إنسانياً. إنّه نموذج للتسامي، لا بالقول بل بالفعل الصامت.
أما الخاتمة، فهي تنزاح نحو بعدٍ صوفي جمالي:
“هبطت زخات مطر بلون الضوء…”
صورة تجمع بين الطهر والنور، وكأن الطبيعة نفسها تشارك في طقس التطهير. الغيمات هنا ليست مجرد عنصر طبيعي، بل وسيط رحمة إلهية يغسل الخطايا قبل دخول الجنة، في إشارة إلى أن النقاء الحقيقي يكمن في النوايا والأفعال، لا في المظاهر.
النص، في مجمله، يشتغل على ثنائية الأرض/السماء، الفقر/الغنى، الهامش/السمو، ليؤكد أن النبل الإنساني قد يختبئ في أكثر الأماكن تواضعاً، وأن التسامي ليس امتيازاً طبقياً، بل حالة روحية خالصة.
د.عزيزجبر الساعدي

عاجل !!