الشيخ مرتضى معاش يحذر من تداعيات «المقارنة الاجتماعية» على الاستقرار النفسي والاقتصادي للأسرة

هيئة التحريرمنذ 5 ساعاتآخر تحديث :
الشيخ مرتضى معاش يحذر من تداعيات «المقارنة الاجتماعية» على الاستقرار النفسي والاقتصادي للأسرة

 

حذّر الكاتب والباحث في الفكر الإسلامي المعاصر، الشيخ مرتضى معاش، من تفاقم ظاهرة «المقارنة الاجتماعية» وتمددها كنسق سلوكي عام داخل المجتمعات الحديثة، مؤكداً أنها تجاوزت حدود التنافس الفردي لتغدو مهدداً هيكلياً للاستقرار الأسري، ومحركاً رئيسياً لسلسلة من الأزمات الاقتصادية، والانحدارات الأخلاقية، والاضطرابات السلوكية الحادة.
وجاء هذا التحذير خلال استضافة الشيخ مرتضى معاش في البرنامج الأسبوعي «محطات» على شاشة قناة الأنوار الفضائية، حيث ركّز معاش على تشريح الآثار المباشرة وغير المباشرة لقياس الأفراد لقيمتهم الذاتية عبر ممتلكات الآخرين وأنماط عيشهم المظهرية.
تشخيص بنيوي: المقارنة كمأزق ذهني مركب
أوضح الشيخ مرتضى معاش أن المقارنة الاجتماعية تمثل في جوهرها «عملية ذهنية داخلية مشوهة»، تعزل الفرد عن واقعه الحقيقي وتدفعه لتقييم كفاءته ومكانته من خلال مرآة استهلاكية خادعة يفرضها المحيط العام. وتبدأ الأزمة حين تتسلل لغة المقارنة إلى تفاصيل الحياة اليومية للأسرة؛ كالاعتراض على نمط السكن، أو طراز المركبة، أو حجم المقتنيات، وصولاً إلى مستويات الدخل والدرجات الدراسية، مما يورث شعوراً مزمناً بالضيق والمهانة، ويجهض مشاعر الرضا الداخلي.
وشدد معاش على الطبيعة التصاعدية لهذه الحالة، لافتاً إلى أن الواقعين في شباكها يواجهون عجزاً مستمراً عن الإشباع النفسي؛ إذ كلما حقق الفرد قفزة في مستواه المادي، وجد أمامه درجات أعلى في السلم الاستهلاكي لم يبلغها بعد، الأمر الذي يحيل الطموح من دافع إيجابي للبناء إلى حالة استنزاف عصبي وإحباط مستمر.
التمييز المنهجي بين التعلم والمجاراة العمياء
وضع الشيخ مرتضى معاش خطاً فاصلاً بين مفهومين يتداخلان في السلوك البشري: «التعلم الإيجابي المستند إلى العبرة»، و«المقارنة المظهرية الهدامة». وبيّن أن التعلم تجربة واعية يستلهم فيها الفرد دروس النجاح من محيطه لتعزيز قدراته وتطوير هويته الخاصة مع الحفاظ على استقلاله الذاتي واستقراره الروحي، في حين تُعد المقارنة القهرية اختزالاً للإنسان في قوالب مادية ومظاهر زائفة تغذيها المنصات الرقمية وثقافة الاستهلاك المعولمة.
واستحضر معاش التوجيهات القرآنية الرادعة عن الاستغراق في المظاهر الزائلة، لا سيما التحذير الإلهي من مد العين إلى زهرة الحياة الدنيا الممنوحة للآخرين كابتلاء، مؤكداً أن الأمان النفسي الحقيقي يرتكز على مفاهيم الكفاف، والبركة، والقناعة التي تحفظ كرامة الإنسان وتمنحه مناعة ضد التآكل الداخلي.
ثلاثية الهيمنة: علامات تحول الظاهرة إلى أزمة مركزية
صنف الشيخ مرتضى معاش المقارنة الاجتماعية بوصفها «أزمة الأزمات» وحجر الأساس لكل ما يعقبها من اختلالات مجتمعية، مستنداً إلى ثلاثة مؤشرات تدل على وصول الفرد أو البيئة الأسرية إلى مرحلة الخطر:
1. مصادرة الرضا الذاتي: ارتهان مشاعر الطمأنينة وتقدير الذات بمدى إعجاب الآخرين وانطباعاتهم الخارجية، وتلاشي القدرة على التقييم المنطلق من الذات والتأمل الداخلي المستقل.
2. تبعية الأهداف وتزييف الغايات: التخلي عن المسارات الحقيقية والمواهب الفردية لصالح ملاحقة أهداف استنسخها الفرد من مكاسب محيطه ومواقعهم، في مسعى شكلي لا يعبر عن هويته.
3. أولوية حماية «الصورة» على حساب القدرات: تقديم المظهر الاجتماعي المصطنع والبرستيج على الإمكانات الواقعية والاحتياجات الأساسية، وهو ما يدفع قطاعات واسعة إلى التورط في مستويات معيشية تفوق دخلهم الفعلي.
التداعيات الاقتصادية: ثقافة الاستدانة والإنفاق الاندفاعي
كشف الشيخ مرتضى معاش أن التنافس الاستعراضي يقف وراء التردي المالي لكثير من الأسر؛ إذ يقود الهوس بالمظاهر إلى ما يُعرف بـ «الإنفاق الاندفاعي»، واقتناء سلع فارهة -لا سيما السيارات والعقارات والأثاث- عبر الديون المصرفية والقروض المرهقة، لتغطية الشعور بالنقص والحفاظ على واجهة براقة أمام المجتمع.
وأوضح معاش أن هذا السلوك المتبادل بين الأسر يخلق حلقة مفرغة من الاستنزاف؛ حيث يراقب الجميع بعضهم بعضاً في سباق وهمي لا منتصر فيه، مما يقوض فرص الادخار، ويشل التخطيط الاقتصادي السليم، ويترك الأسر عرضة للإفلاس والأزمات المالية الحادة.
البعد الأخلاقي: الحسد والتشكيك كآليات دفاعية
على المستوى السلوكي، أرجع الشيخ مرتضى معاش تصاعد الأمراض الأخلاقية كالغيبة، والنميمة، والحسد، وتسقيط الشخصيات إلى ضغوط المقارنة المجتمعية؛ فعندما يعجز الفرد عن مجاراة أقرانه في الرفاهية المادية، يلجأ لا واعياً إلى تشويه نجاحاتهم والطعن في نزاهة مصادر أموالهم واتهامهم بالفساد أو البخل، كوسيلة نفسية تعويضية للتغطية على عجزه وتبرير تخلفه عن اللحاق بالركب المادي المصطنع.
تفكيك البيئة التربوية واستهداف مستقبل الأبناء
سلط الشيخ مرتضى معاش الضوء على التهديدات المباشرة التي تطال الطفولة، مشيراً إلى أن أخطر ارتدادات الظاهرة تتبدى في تحويل الأبناء إلى أدوات للمباهاة الاجتماعية والتعويض عن إخفاقات أولياء الأمور.
وانتقد معاش ممارسات الضغط الأكاديمي المفرط والتعليم القسري غير المتوازن، كإلزام الأطفال بالحصول على معدلات متطرفة أو ارتياد تخصصات محددة (كالطب والهندسة) لمجرد تصدير صورة مظهرية أمام الأقارب والجيران. وحذر من أن هذا النهج يستبدل التربية الشاملة القائمة على التفكير والتحليل وبناء الشخصية المتزنة، بقوالب آلية مفرغة تسلب الطفل هويته وتنتج شخصيات مهزوزة تعاني من القلق المزمن وتفتقر إلى المهارات القيادية لمواجهة متطلبات الحياة.
متطلبات العلاج: استعادة مركزية «غنى النفس»
خلص الشيخ مرتضى معاش إلى أن معالجة هذا المأزق المجتمعي تتطلب استراتيجية وعي شاملة تفكك الارتباط الزائف بين قيمة الإنسان وممتلكاته المادية، والعودة إلى المرتكزات الأخلاقية الأصيلة التي تجعل من «غنى النفس» واستقلال الشخصية معياراً أوحد للاحترام والمكانة. ودعا معاش المؤسسات التربوية والإعلامية والدينية إلى تكثيف برامج التوعية المجتمعية لتحرير الأفراد من عقدة المراقبة، ووقف هدر الموارد النفسية والمالية في مطاردة استعراضات شكلية تفتقر إلى أي قيمة إنسانية مستدامة.

عاجل !!