حين يتوارى الضمير الوطني وتتراجع هيبة الدولة أمام أطماع الأحزاب وجشع الكتل تطلع علينا السياسة ببدعة ممثلة بإصرار محموم عجيب على خلق أربعة مناصب لنائب رئيس الوزراء الزيدي وكأن الجهاز التنفيذي يعاني من قلة في القيادات وعجلة الإدارة العامة متوقفة بانتظار هذا الفيض من المواقع السيادية المستحدثة التي لا هدف لها سوى إرضاء طموح الشركاء وتقاسم الغنائم الحزبية على حساب الوطن والمواطن !! ..ولعل الطامة الكبرى لا تكمن فقط في بشاعة الاستحواذ بل في ذلك التبرير الممجوج الذي تسوقه تلك الكتل بلا حياء ولا خجل زاعمين بكل وقاحة أن هذه المناصب لا تمتلك تخصيصات مالية ولا تكلف الموازنة العامة شيئا وكأننا أمام هدايا مجانية تمنح للترف السياسي وهو عذر أقبح من ذنب ومنطق أعوج يعكس استخفافا مروعا بعقول الملايين واستهتارا مطلقا بأبسط قواعد البناء الإداري الرشيد فإذا كان المنصب المزعوم بلا تكلفة ولا ميزانية فلماذا هذا التقاتل والتشاحن المقيت بين الحلفاء والخصوم لتقاسمه ولماذا تتحول كراسي الحكم إلى ساحات صراع وتناحر إذا لم تكن تخفي خلفها طموح الهيمنة وتضخيم النفوذ ؟!.. على أن هذا التبرير المتهالك يفتح الباب واسعا أمام تساؤلات من أن تبدأ الحكاية بلا تكلفة ظاهرية لتنتهي بجيوش من المستشارين وحمايات ومواكب ومكاتب فارهة وثرثرة بيروقراطية ستلتهم قريبا ما تبقى من الموازنة التشغيلية للبلاد وتثقل كاهل الخزينة بمليارات الدينارات هدرا وضياعا وإن الخطورة الأعمق والأفدح تكمن في النسف التام لمبدأ كفاءة الدولة ومؤسساتها لأن الدستور والقوانين الناظمة لم تُخلق لتكون حدائق خلفية لإرضاء النهم الحزبي وتوزيع المكاسب على الكتل المنتصرة في معادلة المحاصصة البغيضة بل لخدمة الشعب وحماية مقدراته وإن تعدد نواب رئيس الوزراء يخلق ازدواجية مدمرة في مراكز القرار ويشتت الجهود ويعطل عمل الحكومة برئاسة رئيس مجلس الوزراء ويحيل السلطة التنفيذية المنهكة أصلا إلى مقاطعات مغلقة يغرد فيها كل نائب خارج السلم المؤسساتي الموحد لتحقيق مصالحه الفئوية الضيقة على حساب الصالح العام وإنَّ إصرار الكتل على هذا العبث يعبر عن إمعان متعمد في تقويض بناء الدولة وتفريغ المؤسسات من محتواها وكأنهم لا يعبئون بما يعانيه الشعب من ويلات ومصاعب بل يصرون على اقتسام المناصب التي لا تزيد المشهد إلا تأزما وظلاما .




