لم تكن بغداد يوما مجرد قيمة جغرافية على خريطة الشرق بل كانت ولا تزال شمس الثقافة ومنارة الفكر وحاضنة الشعر والفنون لكن الغشاوة التي باتت تزحف على وجه العاصمة اليوم تنذر بتحول دراماتيكي موجع إذ يتحول المكان الذي يفترض أن ينبض بالندوات الفكرية والعروض المسرحية والمحافل الأدبية إلى وكر تدار فيه مسابقات القمار وتمارس فيه لعبة الدمبلة علانية ..إن التحول من مجالس العلم والأدب إلى صالات الرهان ليس مجرد انحدار ذوقي أو تجاوز عابر بل هو تشويه متطرف لرمزية بغداد الحضارية والأدهى من اللعبة ذاتها هو الشكوك العميقة التي تحيط بآلية تنظيمها وأين تصب أموالها؟..في سنوات مضت كانت البطاقات ورخص هذه الفعاليات تخضع لإشراف صارم كانت تختم رسميا من قبل وزارة الداخلية وتخضع لرقابة مالية دقيقة تضمن شفافيتها وتوجه ريعها إلى أغراض مجتمعية أو تعليمية أو دعم للصندوق العام أما اليوم فقد أصبحت هذه الأموال تتدفق بغزارة بلا حسيب ولا رقيب لترتطم بجيوب متعهدي القمار والمقامرين بعيدا عن أي أطر قانونية أو محاسبية تعيد للعملية نظافتها التنظيمية فأين تذهب كل تلك الأموال المقتطعة ومن يشرعن هذا الهدر تحت لافتة التسلية ؟.. إن هذا المشهد لا يكتمل إلا بالتساؤل الأشد خطورة وحرقة من أين يأتي الموظف البسيط بالمال الكافي للجلوس على تلك الطاولات ولعب الدمبلة ليلة بعد أخرى؟
إذا كان راتب الموظف في الأوضاع الراهنة ليعيل عائلة ويغطي أدنى متطلبات الحياة فكيف يعقل أن يقتطع منه جزء ثابت للتضحية به في طاولات الرهان ؟ إن الاستمرار في هذا المسار يستدرج الموظف إلى مستنقع الرشوة أو اختلاس المال العام أو ابتزاز المراجعين في دوائر الدولة للوفاء بديون الطاولة وبذلك لا تتوقف الخسارة عند حدود صالة اللعب بل تمتد لتنخر في جسد الوظيفة العامة ومؤسسات الدولة ..إن بغداد أسمى وأرقى من أن تترك لقمة سائغة لظاهرة تدمر أخلاقيات المجتمع وتفتح أبواب الجريمة وتسطو على تاريخ العاصمة الثقافي .


