حين يصبح نشر الغسيل واجباً وطنياً فليس صحيحاً أن الأوساخ تطهر بكنسها تحت السجادة ولا يمكن لجسد ينهشه العفن أن يتعافى بدعاوى إخفاء الرائحة تحت شعارات الستر المزيفة !… جاءت دعوة نوري المالكي للمدونين والإعلاميين بالكف عن نشر ما سماه الغسيل وتداول الاتهامات المفبركة لتشكل صدمة جديدة لكل من ما زال يراهن على صوت الحقيقة وسط ركام الخراب السياسي والإداري الذي تعيشه البلاد. إن محاولة تصوير كشف الفساد على أنه مجرد تلفيق أو ابتزاز رخيص ليست سوى محاولة يائسة لترسيخ سياسة الإفلات من العقاب وحماية منظومة متكاملة من الهدر المالي والعبث بمقدرات الشعب فالفساد في العراق لم يعد مجرد شبهات أو اتهامات مدبجة يروّج لها مغرضون بل بات واقعاً معاشاً يلمسه المواطن في تردي الخدمات العامة وتهاوي البنى التحتية وانعدام فرص العمل وفي آلاف المشاريع الوهمية التي ابتلعت مليارات الدولارات دون أن تترك أثراً سوى مزيد من الثراء الفاحش لطبقة سياسية أدمنت السلطة والامتيازات.. إن السكوت عن هذا السطو الممنهج لم يعد تعقلاً أو حرصاً على السلم المجتمعي بل هو مشاركة صريحة في الجريمة وتواطؤ مفضوح مع الجناة وفي ظل تراجع دور المؤسسات الرقابية الرسمية وتحويل القضاء في أحيان كثيرة إلى أداة لتصفية الخسوم أو تحصين النافذين لم يتبق للشارع العراقي سوى منابر التدوين والأقلام الصحفية الحرّة لتكون مرآة للحقيقة ولساناً لمن لا لسان له وإن محاولات تكميم الأفواه ومطالبة الإعلاميين بالصمت عن فضائح الفساد تحت غطاء التهدئة ودرء الفتنة إنما تستهدف خنق آخر مساحة حرّة للتعبير فبدلاً من توجيه اللوم والوعيد لمن يكشف التجاوزات ويوثق أدلة الإدانة كان الأجدر بمن يديرون المشهد السياسي أن يبادروا إلى محاسبة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة لا أن يطالبوا بستر سوءات منظومة أنهكت الوطن والمواطن. إن نشر الغسيل القذر للفساد هو البداية الحتمية لأي تطهير حقيقي والسكوت عنه جريمة أشنع من ارتكابه .. فلتستمر الأقلام الحرة والمدونون الشرفاء في قرع ناقوس الخطر فالحقيقة أثقل من أن تحجبها غربال التصريحات والتحذيرات الواهية وليعلم الجميع أن محاولات طمس الحقائق لن تزيد الشارع إلا إصراراً على كشف كل مستور حتى يرى الوطن النور بعيداً عن عباءات الفاسدين وتجار الهيكل الذين باعوا الأمانة بثمن بخس!.



