لم تعد تحركات رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان مجرد زيارات بروتوكولية إلى دول الجوار فالجولة التي شملت قطر وتركيا وسوريا والسعودية وقبلها الكويت والأردن وصولا” إلى إيران اليوم تحمل دلالات تتجاوز الإطار القضائي التقليدي وتحظى باهتمام عربي ودولي واضح.
وبحسب ما يتداول عن هذه الزيارات فإن القاضي زيدان يطرح أمام عواصم المنطقة رؤية عراقية تقوم على إمكانية أن يؤدي العراق دورا” في تقريب وجهات النظر وتهدئة التوترات وإعادة العلاقات إلى مساراتها الطبيعية في منطقة أنهكتها الحروب والصراعات طوال عام كامل وتركتها أمام أزمات متشابكة.
ولعل الأهم في هذه التحركات أنها تقدم صورة مختلفة لدور القضاء العراقي إذ يتحرك أحد أبرز رموزه حاملاً رسالة استقرار لا رسالة صراع ومؤكدا” أن العراق يستطيع أن يكون مساحة للالتقاء عندما تعجز السياسة عن فتح الأبواب.
إنها للمرة الأولى بهذا الوضوح محاولة لتوظيف الثقل القضائي العراقي في خدمة الأمن الإقليمي من دون أن يعني ذلك تسييس القضاء أو إخراجه من اختصاصاته.
والقاضي زيدان وهو يتحرك بين عواصم متباينة في مواقفها وعلاقاتها يرسل رسالة مهمة ان العراق الجديد لا يريد أن يكون ساحة للصراع بل طرفا” قادرا” على صناعة التهدئة.
وهنا تتجلى القوة العراقية الحقيقية قوة السياسة والأمن والمؤسسات وقدرتها على بناء الجسور بدل إشعال الجبهات.
وفي المحصلة فإن جولة زيدان تكشف أن الرجل لم يعد ينظر إليه بوصفه رئيساً لمجلس القضاء الأعلى فحسب بل بوصفه شخصية عراقية ذات ثقل سياسي وإقليمي متنامي قادرة على فتح قنوات مع عواصم متباينة وطرح العراق بوصفه طرفا” في صناعة الاستقرار لا مجرد متلقي لتداعيات أزمات المنطقة وهذا الحضور إذا ما أُحسن توظيفه يمكن أن يتحول إلى إحدى أدوات القوة الناعمة للعراق ويمنح بغداد مساحة أوسع في رسم معادلات المنطقة.
محمد حنون




