بلد الفرهود… تعال وفرهد | د. حسن جمعة 

هيئة التحريرمنذ ساعتينآخر تحديث :
بلد الفرهود… تعال وفرهد | د. حسن جمعة 

​إذا كان “الفرهود” في الذاكرة الشعبية ارتبط بفوضى عارمة وسرقة للأنظار فإن الفرهود الحديث في العراق أشد خطورة؛ لأنه يُدار بأوراق رسمية، وأختام حكومية، وتحت مظلة القانون.. من “سرقة القرن” إلى ملفات المشاريع الوهمية وتهريب العملة، لم يعد الفساد في العراق مجرد انحراف فردي، بل تحوّل إلى نظام عمل متكامل يُقسّم ثروات البلد وكأنها غنيمة مفتوحة للجميع تحت شعار: “تعال وفرهد”.

​أشكال “الفرهود” في ملفات الفساد العراقي تعددت فمن ​سرقة القرن والصفقات المليارية تُشكل القضايا الكبرى— مثل اختلاس أموال الأمانات الضريبية—النموذج الصريح لـ “الفرهود المنظم”.. مليارات الدولارات تُسحب بشركات وهمية أُسست قبل أيام من الصفقة، وبغطاء من نافذين يضمنون الإفلات من العقاب..اما ​المشاريع الوهمية والمستشفيات “الورقية” فآلاف المشاريع المليارية الممتدة منذ سنوات على الأوراق فقط؛ مستشفيات، مدارس، وبنى تحتية صُرِفت موازناتها بالكامل دون أن يُبنى منها جدار واحد، ليتحول المال العام إلى أرصدة خارجية.

​ و لم يسلم الهيكل الإداري للدولة من النهب؛ حيث يُباع المنصب الإداري والخدمي بناءً على ما يدرّه من “أرباح” وعقود، ليتولى إدارة المؤسسات من يسعى لاسترجاع “ثمن المنصب” ومضاعفته عبر العمولات.

اما ​تهريب العملة ومزاد المزاد فقد استخدام الاستيراد الوهمي والمستندات المزورة لسحب العملة الصعبة خارج البلاد، وهو نوع آخر من الفرهود المالي الذي ينعكس مباشرة على قوة الدينار ومستوى معيشة المواطن.. وكانت صناعة اليأس الجريمة الأكبر ​وخطر هذا الفرهود المُمأسس لا يتوقف عند حدود الأرقام والمليارات المنهوبة، بل يمتد لقتل روح المواطنة عندما يرى الشاب العراقي أن النزاهة تُحارب وأن “الفرهدية” هم من يتصدرون المشهد، يتحول الشعار الشعبي إلى حسرة ودافع للهجرة.

​إن إيقاف هذه المنظومة يتطلب تجاوز الحلول الترقيعية، والذهاب مباشرة نحو استرداد الأموال المنهوبة، وتفعيل أتمتة النظام المالي، ورفع الغطاء السياسي عن الفاسدين، لتتحول الدولة من “غنيمة للتقاسم” إلى كيان يحمي ثروات أبنائه.

عاجل !!