ثقوب سوداء في الموازنة ! | د.حسن جمعة

هيئة التحريرمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
ثقوب سوداء في الموازنة ! | د.حسن جمعة

حين يخرج علينا صوت من قبة البرلمان ليضع اليد على جرح مالي عميق بحجم مئة وثمانية عشر تريليون دينار بلا تسويات أو أوليات رسمية فإننا لست أمام مجرد رقم سقط سهوا في دفاتر الحسابات بل أمام زلزال إداري يضرب كبد المؤسسات الحكومية.. كيف لكتلة نقدية هائلة أن تسحب من الدوائر الرسمية كأنها أوراق خريف لا قيمة لها ومن دون قيود أو مستندات تثبت مسارها ومصيرها ؟؟.. كأن المؤسسات تحولت إلى جزر منفصلة تعبث بمقدرات الأمة بلا رقيب ولا حسيب في عراقنا الجريح بفعل الفساد إن خطورة هذا المشهد لا تكمن في ضخامة الأرقام فحسب بل في تعبيره الصارخ عن هشاشة المنظومة الرقابية ومرور المال العام في مناطق رمادية تعبث بها الإيعازات الشفهية والقرارات الارتجالية وكأن الخزينة العامة صراف آلي مفتوح لمن هب ودبَّ.. لا حراسة ولا حسابات ختامية وفراغ إداري ومالي يمثل البيئة الخصبة المثالية لنمو أشباح الفساد وتمرير الصفقات المشبوهة وتحويل السلف المؤقتة والاعتمادات المبهمة إلى أموال ميتة تبتلعها ظلمات النسيان المتعمد بين أروقة الوزارات والدوائر المختلفة لتبقى الدفاتر خالية والحقائق غائبة عن عيون الشعب والرقباء وإن هذه الممارسات المتراكمة تعكس استخفافا واضحا بقواعد الشفافية والنزاهة وتفرغ الموازنات العامة من مضمونها التنموي والخدمي لتصبح مجرد أرقام وهمية تخدم مصالح ضيقة على حساب لقمة عيش المواطن البسيط الذي يحلم بمشاريع وعمران واستقرار اقتصادي يلمس أثره في حياته اليومية .. أما آن الأوان لإنهاء هذه المهزلة الرقابية ووضع حد جذري لسياسة الأموال السائبة التي تتقاسمها أروقة الإهمال والتعاضد الوظيفي الخفي إن العراق اليوم بحاجة ماسة إلى ثورة تصحيحية حقيقية في إدارة المال العام وإخضاع الدوائر والمؤسسات الرسمية كافة لسلطة الرقابة الصارمة بلا استثناء..إن المواطن الذي يئن طويلا تحت وطأة الأزمات والاحتياجات المتراكمة والخدمات المفقودة لا يمكنه بعد اليوم أن يقبل بهذا النزيف المفتوح ولا أن يكتفي ببيانات الاستنكار العابرة أو الوعود المؤجلة التي لا تسد رمقا  وإذا كانت هذه التريليونات الهائلة تسير بلا أوليات وتتبخر في الهواء الطلق فأين الرقيب وأين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية  وأين هيبة القانون الذي تستطيع الدولة أن تحمي به بقاءها ومستقبل أبنائها ؟.

عاجل !!