في أروقة البرلمان حيث يفترض أن توزن الأمور بموازين القسطاس لا تفوح دائما رائحة الأوراق والوثائق، بل تنبعث أحيانا أدخنة الغضب الساطع.. جلس رئيس مجلس النواب، هيبت الحلبوسي ليلتين كاملتين يقلب صفحات تقرير ديوان الرقابة المالية لعام 2025.. كانت ليلتان من القراءة الحثيثة، يفتش فيهما عن أثر للحقيقة وسط ركام الأرقام الضخمة، لعله يجد ما يرمم ثقة الشارع في أجهزة الحساب والرقابة لكن الصدمة كانت كما وصفها، “محبطة” ومخيبة للآمال؛ فقد استحال الجبل مخاضا، ولم يخرج من عباءة قطاع النفط العتيد سوى… “ثلاثة تانكيات مزنجرة”!
أيعقل أن يختزل ديوان الرقابة كل أسرار النفط وألغازه، وكل الانابيب التي تتسرب منها أموال البلد، في مجرد خزانات أكل الصدأ أطرافها لشركة الناقلات ونفط البصرة؟ أي استخفاف هذا بالعقول والضمائر؟
أن تمتد عين الرقيب لترى حدأة صغيرة على الشاطئ، وتتغاضى عن الحوت الأحدب القابع في العمق، فتلك ليست زلة بصر، بل تعاميا عن عمد!..فكيف يغفل التقرير عن تفاصيل أرقام مهولة تسجلها جهات مثل “شركة مصافي الشمال”، والتي تلامس أرقامها حاجز الـ 12.5 تريليون دينار لتصادق على حساباتها الختامية بلا تدقيق يروي غليل الاستفهام؟
إن البوصلة التي تشير إلى الصدأ وتتجاهل الذهب المهدور هي بوصلة معطوبة.. وما بين سطور “المحاباة والمجاملات” التي أشار إليها الحلبوسي، تقبع حقيقة أكثر إيلاما: هل غدت أجهزة الرقابة تفرش بساط الود لمن يملكون النفوذ، وتستقوي فقط على الأطلال والمزنجرات؟
كان صوت رئيس المجلس ينادي بعلو الضمير: “إذا كنتم تتعرضون لضغوط، أبلغونا، نحن ممثلو الشعب..”. إنها دعوة لرفع الغطاء عن اليد الخفية التي تمسك بخناق الرقابة..الخوف إذا تسلل إلى محبرة الرقيب، تحول الحبر إلى ماء باهت، وصرنا نقرأ تقارير تكتب لترضي، لا لتصلح.
النفط الذي يجري في شرايين العراق ليس مجرد رقم في كتاب، بل هو قوت شعب ينتظر أثره في مشافيه ومدارسه.. وحين تصبح الرقابة مجرد طقس شكلي يمر على العمالقة كالرياح الطيبة، ويقف عند الخزانات المزنجرة ليقيم القيامة… فعلى الحقيقة السلام!


