يضع النص عصا الاشتباه في عجلة اللغة، ويفتح فراغا يتدرج مقياسه على إزاحة الهوية قبل أي شيء أخر، الاشتباه قانون إدراك شعري، للشعر قوانينه ومكره ومداهماته، أليس كذلك؟
يتوغل الفراغ الى أقصاه في إزاحة الهوية حيث يبدأ مقياسه من درجة “اشتباه مكرر” صورة تتكرر داخل الذهن، وكل محاولة لتثبيتها تنزلق نحو احتمال آخر. لهذا تتوالى الصيغ: “ربما”، “أو”، “لا أعتقد”، هذه الأدوات هي نظام كتابة النص وفق “تعطيل التعيين” وكأن اللغة نفسها تفقد ثقتها بوظيفتها التعيينية. يخلق التكرار إيقاعاً نفسياً يشبه ارتباك الجندي تحت القصف، حيث لا يعود التمييز بين ما حدث وما يمكن أن يكون قد حدث ممكناً.
يدخل المخاطب للنص بصورة غير مكتملة: “تشبه أحدهم”. كل ما يأتي بعد هذه الجملة يتحرك داخل هذا الفراغ، وليس باتجاه ملئه. لذلك تتوالى الاحتمالات دون أن تتراكم، تتآكل. كل احتمال ينسف ما قبله. النتيجة: لا ذاكرة تتشكل، ولا تاريخ يستقر.
التفاصيل التي تبدو طفولية أو دينية أو يومية هي مواد خام تُستدعى كي تُفشل أي بناء سردي متماسك. الشلال يجرّب تشكيل حياة خارج الحرب، ثم يسحبها فورا، ويخبرنا أن الحرب تفرض نفسها عبر عجز الذاكرة عن إنتاج سياق طبيعي.
اللحظة المفصلية تقع عند “تذكرتُ… أنت الجندي”. هنا يحدث تثبيت مؤقت للمعنى. كل الانزلاق السابق ينغلق في صورة واحدة: جنديان متجاوران. لا أسماء، لا رتب، لا معركة. مجرد تقارب جسدي تحت ضغط غير مرئي. نكتشف أن النص لا يبحث عن قصة، لأنها عالق بغابة من الاحتمالات، لكنه في اخر لون يصدمنا عن وضعية وجودية: أن تكون قرب آخر في ظرف يهدد كليكما.
ثم اللغة عند جواد الشلال تنزاح عن المباشر نحو تركيب صور متنافرة: “نهرنا كان أسود بعض الشيء”، “الغابة البيضاء”، “القطار الأفعى”. هذه التراكيب تقبض على اختلال في نظام العالم. اللون يفقد استقراره، الكائنات تتداخل، الأشياء تنقلب على طبيعتها.
الرمز لا يؤدي وظيفة الإحالة إلى واقع محدد. وظيفته داخلية: تفكيك العالم. “النهر الأسود”، “القطار الأفعى”، “الغابة البيضاء” تعكس تشوّه الإدراك تحت الضغط، لا خارطة مكان. الرمز هنا يغلق الطريق نحو التحديد بدل أن يفتحه.
تسمية الحرب بالرقم “3920 يوماً” تمثل ذروة التحويل. الحرب تُنزَع من بعدها التاريخي والسياسي وتُختزل في زمن عددي. الرقم يعمل كقبر لغوي، يحبس التجربة داخل مدة، ويمنعها من التشتت في خطاب شعاري
أما الخاتمة “الحروب دائرة اشتباه حميمية. الجندي يلتصق بجندي آخر، يتقاسم معه الخبز، اللون، الخوف، الذاكرة المشروخة. الاشتباه يصبح علاقة، يفتح أفقاً يمكن قراءته في ضوء مارتن هايدغر، حيث الوجود في أقصى توتراته يكشف عن علاقة الإنسان بالآخر داخل حدود الفناء.
لنأخذ المقطع الأول:
“انت تشبه أحدهم”
هذه الجملة تزرع خللاً معرفياً. التشابه يعني وجود أصل، مع ذلك الأصل لا يُستعاد. من هذه اللحظة، النص يدخل في سلسلة من الإحالات المجهضة. لا أحد يُستعاد فعلياً. المخاطَب يبقى معلقاً بين أن يكون شخصاً حقيقياً أو صورة مركبة.
الآن لاحظ حركة الجمل التالية:
“مررنا… اعتكفنا… ثملنا…”
هذه أفعال مكتملة من حيث الصيغة، مع ذلك تُطرح بصيغة الشك. النتيجة: الفعل يفقد زمنه. لا يعود ماضياً مؤكداً، ولا احتمالاً خالصاً. التعليق الزمني هو لب التجربة الحربية داخل النص. كقوة تسحب الزمن من استقراره.
عند “شيخنا يشرب الحليب الطازج”
لدينا صورة نقية، شبه ريفية، قريبة من الطفولة أو التدين البسيط. وضعها وسط هذا الارتباك ليس اعتباطياً. الشاعر يختبر إمكانية وجود عالم سليم، ثم يترك الصورة تتهاوى ضمن السياق. القيمة هنا ليست في الصورة، إنما في فشلها في تثبيت معنى.
نصل إلى الجملة المفصلية:
“معاناتي… الذاكرة مملوءة بالخدوش”
هنا ينتقل النص من التلميح إلى التشخيص. الخدوش وصف لآلية التخزين. الذاكرة خزان لآثار تمزيق. لذلك تأتي الصور لاحقاً غير مكتملة، متنافرة، متناقضة.
التحول الحقيقي يحدث في:
“اه… تذكرت… انت الجندي”
هذه ليست لحظة استعادة، لأن الاستعادة استراحة الزمن في السرد والحدث مخففا من ثقل الصدمة
هذه اللحظة هي لحظة ضغط دلالي. كل الاحتمالات السابقة تنضغط فجأة في هوية واحدة. لماذا “الجندي” تحديداً؟ لأن الجندي هو الهوية الوحيدة التي لا تحتاج إلى تاريخ شخصي داخل الحرب. يكفي موقعه: قرب الموت.
أما الرقم:
“3920 يوماً”
هذا أخطر عنصر في النص. الرقم ينسف كل السرد السابق. بعد كل هذا التردد، يأتي رقم حاسم، بارد، غير شعري في ظاهره. هذه الصدمة الأسلوبية تعني أن الحقيقة الوحيدة القابلة للقبض هي المدة وليست الصورة. الحرب تخرج من عباءة الأحداث ومن عمر السرد ونباهة الشعر، تحضر كزمن ثقيل ممتد. العدّ هنا يحل محل الحكاية.
القصيدة كاملة
ــــــــــــــــــــــــــ
او …اشتباهٌ مكررٌ….
.
.
انتَ تشبهُ احدَهم
لا
اتذكرُ .. هل مررنا بذاتِ الطريقِ
ام اعتكفنا نحلل القضيةَ الوحيدةَ التي آمنا بها
ام ثملنا معاً .. حين كان شيخنا يشرب الحليبَ الطازجَ
لا اتذكرُ
ربما قرانا في صبانا قطراتِ المطرِ
او
تلفعنا بقراءةِ سورةِ الاخلاصِ
او
تعبنا من عدِّ الاشجار اليابسة برفقةِ طريقٍ اخضرَ
ربما قرأنا كتاباً ما
قد يكون مؤلفة اعمى ..
كالحبيسِ الذي يرومُ صعودَ
جبلِ زهده
او
أسرتنا .. جملة ما تشبه
’’ البلبل لا ينسل بقفص ’’
كم كان مؤلفهُ ذميمَ الوجهِ
لكنه ذو خيال يشبه الربيع المبكر
لا اتذكر … ُ
تلك مشكلتي
قد …. ركبنا زورقاً ملوناً
ونهرنا كان …اسودَ بعضَ الشيء
وسرقنا قلبَ الغابةِ البيضاءِ معاً
تقاسمنا حينها بركاتِ الندى المثخنةِ بالعطرِ
لا ..
لا اعتقد كل ذلك
او
ركبنا القطار الافعى المسكونَ بالليلِ
حين تقاسمنا رغيفَ الخبزِ الاسمر ِوعلبة لا اتذكر ماذا بها
الا اني اتذكر لونها … كانت زرقاءَ حينها
لا … ثم لا
معاناتي … الذاكرة مملوءة بالخدوشِ
كانها رجمتْ بانيابِ قطٍّ شرسٍ
اه …. تذكرتُ … نعم
لاول مرة اقول نعم
تذكرتُ جيداً…انت الجندي
النائم بقربي بحرب ال
3920 يوماً
لابأس عليك
الحروبُ دائرةُ اشتباهٍ حميميةٍ





