في زقاقٍ يفوح برائحة الرطوبة والانتظاروغيوم رمادية تلف المكان , برد قارص يحتضن الاوداج ، كانت “رجاء” تُحصي ما تبقى في جعبة الصبر. ثلاثُ زهراتٍ ذبلت أطرافهنَّ من شحِّ الحياة وقساوة الفاقة ؛ كبراهنَّ تلمحُ الانكسار في عين أمها وتصمت تنتظر المجهول، وصغراهنَّ تظن أن الجوع مجرد “لعبة” ستنتهي بفيلم كرتونيٍّ وسرير دافئ
رحل زوجها منذ عامين ، تبخر كما يتبخر السراب في صحراء الحاجة، تاركاً خلفه ديوناً ووعوداً مهترئة وثلاث طفلاتٍ يرقبن الباب كل مساء لعله يطرقها . لم يرسل درهماً، ولم يسأل إن كنَّ يمتن برداً أم يقتاتن الكفاف نسى الله والرحم ..
أما “الحاج صالح”، صاحب البيت، فقد كان يطرق الباب بانتظامٍ مريب. لم تكن طرقاته مطالبةً بالإيجار المتأخر فحسب، بل كانت نهشاً في جدار عفتها. كان يقف بكرشه المترهل ونظراته الزائغة، يهمس بكلماتٍ مسمومة:
:- “يا رجاء، الدنيا صعبة، وأنتِ امرأة جميلة.. لماذا تُتعبين نفسكِ بالخياطة والكدح؟ ورقة واحدة من يدي تمزق كل ديونك، وتسكنين هنا لسنوات.. فقط كوني ‘عاقلة “.
كانت رجاء تغلق الباب في وجهه، وتستند بظهرها إليه وهي ترتجف.بداخلها، بناتها ينظرن إليها بعيونٍ بريئة، وفي الخارج، وحشٌ يساومها على شرفها مقابل سقفٍ يأوي صغارها.
الليلة هددها بالطرد الصريح ,غداً الفجر، إما المال، أو الرضا، أو الشارع
جلست رجاء في زاوية الغرفة، تنظر إلى آلة الخياطة القديمة تعاتب شيآ صار ذكرى تتمتم مع ذاتها :- ” ايها الظالم نسيت شرفك وعرضك أية خسة انحدرت اليها , ايها الجاحد الى متى نبقى هامش لا تحس به ماذا اقول لك وقد انتهى أي كلام” , طفرت دمعة من عينها وانحنى راسها وجعا ، رفعت راسها وهي تطلق حسرة على بناتها النائمات كملائكة في وسط العاصفة. لم تكن تملك ثمن الخبز، فكيف بظلم البشر؟
ومع خيوط الفجر الأولى، وقفت أمام المرآة، مسحت دموعها، وحملت حقيبة صغيرة تضم أوراقها الثبوتية وما تبقى من كرامتها.. وفتحت الباب انطلقت صوب مركز الشرطة قد تجد الخلاص رغم انها لم تحمل الا قليلآ من المال وامل كبير برب رؤوف.





