في الجغرافيا يُقال إن العراق ينام على مخزونات هائلة تضعه في صدارة قائمة أثرياء الطاقة عالمياً؛ بلدٌ لا يُذكر اسمه إلا واقترنت به صور الحقول العملاقة وناقلات النفط التي لا تهدأ. ولكن في “كيمياء” الواقع اليومي تتحول هذه الثروة الأسطورية إلى طوابير بشرية منهكة، تبدأ قبل بزوغ الفجر ولا تنتهي إلا بنفاد الكمية، والهدف ليس سبيكة ذهب، بل مجرد أسطوانة غاز تطبخ قوت يوم العائلة.. إنه المشهد السريالي الذي يتكرر بانتظام مواطنٌ يقف وسط الزحام، يحمل أسطوانته الحديدية وكأنها تذكرة عبور ليومٍ هادئ، بينما تشتعل خلفه في الأفق “شعلات الغاز” المصاحب لعمليات استخراج النفط، وهي تحرق مليارات الأمتار المكعبة في الهواء وتبدد ثروة وطنية تُقدر بمليارات الدولارات سنوياً..بينما ينتظر المواطن دوره، تلتهم النيران الغاز “المصاحب” في الحقول النفطية وهو غاز لو استُثمر لسد حاجة المنازل ومحطات الكهرباء وفاض.
إن أزمة “أسطوانة الغاز” ليست مجرد نقص في مادة حيوية بل هي رمز للفجوة العميقة بين الإمكانات الهائلة والواقع المتردي.. المواطن العراقي لم يعد يبهره الحديث عن “مليارات البراميل” أو “الاحتياطيات الاستراتيجية”، فالثروة الحقيقية في نظره هي تلك التي تصله بكرامة، دون أن تستهلك عمره في طابور، ودون أن تضطره للنظر بحسرة إلى غاز بلاده وهو يحترق في السماء بينما ينطفئ موقده في الأرض.. من المثير للدهشة (والألم) أن بلداً يمتلك رابع أكبر احتياطي نفطي يجد نفسه مضطراً لاستيراد الغاز من دول الجوار لسد النقص الحاد في وقود الطبخ والتشغيل !!


