لم يعد الحديث اليوم عن “احتمالات” الصراع، بل عن واقع مرير استيقظ عليه العالم في الثامن والعشرين من فبراير.. الشرق الأوسط، الذي لم يكد يلملم جراحه من أزمات ممتدة، يجد نفسه اليوم في قلب “عاصفة كاملة” بعد الانفجار العسكري المباشر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. هذه ليست مجرد جولة مناوشات عادية؛ إنها لحظة فارقة قد تعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة بالدم والبارود.. حيث تجاوزت الضربات الأخيرة كل “الخطوط الحمراء” التي رُسمت لعقود.. استهداف القيادة العليا في طهران، وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي، لم يكن مجرد عملية عسكرية لتعطيل برنامج نووي، بل كان إعلاناً صريحاً عن سعي واشنطن وتل أبيب لتغيير النظام جذرياً.. هذا “الزلزال السياسي” لم يتوقف عند حدود طهران، بل ترددت أصداؤه في بغداد، ودمشق، وبيروت، وصولاً إلى عواصم الخليج التي وجدت نفسها تحت وابل من الصواريخ والمسيرات الإيرانية الانتقامية..و اتسعت رقعة الصراع لتشمل استهداف قواعد أمريكية ومنشآت مدنية وحيوية في دول الجوار (الإمارات، السعودية، قطر، والبحرين)، مما يضع أمن الخليج بأكمله في مأزق لم يشهده منذ حرب العراق ومع توقف حركة الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع تكاليف التأمين، يواجه العالم أزمة طاقة تلوح في الأفق، حيث بدأت أسعار النفط والغاز بالتحليق، مما يهدد بتضخم عالمي لا يرحم. اما الفوضى الداخلية في إيران تزامناً مع الاحتجاجات المستمرة فتفتح الباب أمام موجات نزوح وعدم استقرار قد لا تستطيع القوى الإقليمية احتواءها.
بينما يصر الرئيس ترامب على خيار “الحسم” وإسقاط النظام، وتتمسك طهران بحق الرد “غير المنضبط”، يبدو صوت العقل خافتاً.. دعوات الاتحاد الأوروبي لـ “ضبط النفس” تبدو كمن يحاول إطفاء حريق غابة بملعقة ماء. الحقيقة المرة هي أن المنطقة انزلقت إلى “حرب استنزاف” قد تطول، حيث لا رابح في صراع تحترق فيه الممرات الملاحية وتتداعى فيه الدول.
إن الفوضى التي تضرب أطنابها اليوم ليست قدراً محتوماً، لكنها النتيجة المنطقية لتغليب لغة القوة على طاولة التفاوض !.


