ولا بد من الإشارة إلى ظاهرة ((الشجن)) التي أخذت مساحة واسعة في منجز هداد الشعري بصورة مكثفة؛ لأنّه عاش صدمات متتالية، وهو يبحث عن حريته في عالم الخوف، والقمع، والجزع، ونجد ذلك في ثنايا نصوصه الشعرية همساً، وغضباً وكظماً، ويمكن أن نقف عند ذلك في ظاهر نصوصه، وفي جوانيات سياقاتها وهذا صار وجودياً عنده، بعد أن أصيبت ذاته بإحباطات، وشرخ وجودي دفين ، وهذا الكائن المنسي بذاته المأزومة، وما يمر بوطنه من أحوال ((وقد يعجز المرء عن قهر الواقع، يحتفي شعر المنفى بالإشارة إلى الرمز، برمزية الأشياء الماضية، وهذا ما نجده حافلاً في كثير من نصوص شاعرنا، أمكنة، وأشخاصاً، نحو: (سومر، وأكد، وأوروك، ونخل السماوة، وأنكيدو… الخ) ومنه قوله:
((وهفهفات السعف
وشوشت لحناً عراقياً
يا نخل السماوة أوصيك الدفء
فقلبي بردان
مذ مات أنكيدو
وكاهنة الحب
لم تأتِ
وربُ الأرباب
هاجر معبدَه
أوروك تندب أبوابها))(12).
تجربة الشاعر عبدالكريم هداد تنوعت طبيعتها الشعرية؛ فقد كتب شعر التفعيلة (الحر)؛ منذ بداياته الشعرية، وكتب النص النثري، وشغل مساحة واسعة في منجزه الشعري؛ ذلك كون قصيدة النثر فرضتها الحياة المعاصرة التي تخللها الانفعال، والتوتر، والحزن، والقهر، فضلاً على ما أصاب الحياة المعاصرة من تحولات وتغيرات في طبيعتها، كذلك كتب النص الغنائي، وللقصيدة الشعبية حضور كذلك؛ إذ كتبها بلهجة بيئته السماوية، وبنواميس أهلها الاجتماعية، ضمن معيارية تتسع الصور الفنية المتحركة، والساكنة، والمركبة، لتشغل الحواس(13)، مؤكدة على دور اللغة في حياتنا اليومية، بفعالية؛ بوصفها أداة؛ لتكييف سلوكياتنا في العالم الذي نعيش فيه، ونتحدث عنه، ومن ذلك قوله:
العمر ممشى وتِطَشينَا
الدرب يلهث حزن ياذي
وعثرات الوكت مَمْشاك
بحجر فَشْخات تِرمينا
عطش طاسه حزن مليان
وتِبَدِّينا(14).
النص الشعري الذي يكتب بلغة الناس الشعبية رسالة مباشرة ((تمتلك القدرة على الاندفاع السريع… انطلاقاَ من قدرة هذه المشاعر الشفافة، والتعبير عنها بلغة بسيطة لينة، يسهل تطويعها، وتكثيفها، تبعاً لقدرة الشاعر المبدع، ومهارته الفنية))(15)؛ فضلاً على ذلك فأنَّ شعبية النص يستثمرها الشاعر؛ ليستنهض وعي المتلقي ابن تلك البيئة المقهورة.
أما منجز شاعر الأدبي، فقد طبعت له المجاميع الشعرية الآتية:
- أكبر من الجنة أصغر من البلاد(16).
- أنسكب شبيهاً لروحك(17).
- جنوباً هي تلك المدينة.. تلك الاناشيد(18).
- طفل لم يرمِ حجراً(19).
- كلش حلو / شعر شعبي عراقي(20).
وله دراسة نقدية عن الشعر الشعبي العراقي صدرت في كتاب (( مدخل إلى الشعر الشعبي العراقي / قراءة في تاريخ الشعب))(21).
المبحث الثاني
-1-
لظى الوجد
إن البحث في العلاقة الرابطة بين النص وقارئه سيكون موضوع هذه الدراسة؛ إذ يحاول البحث التحدث مع النصوص، جاعلاً تداعيات المنفى في شعر عبدالكريم هداد، وما ترتب عليها منطلقاً لهذه القراءة في عوالم منفى الشاعر، محاولين القبض على الاستعاري فيها، فالنص ((ليس جثة؛ إنه يحيى بتنوع قرائه، وقراءاته))(22)؛ لذا فأن البحث سيتعامل مع النص الشعري؛ بوصفه شكلاً فنياَ، ولغوياً؛ لكشف أبعاده التي توحي ((فعلاً بوجود عمق يُغطيه الشكل، وسيكون من مهام القراءة))(23)، وهنا سنحتفي بتعرّف بعض عوالم النصوص الشعرية لشاعرنا التي أفرزها المنفى ظاهراً، وجوانياً. في قصيدة ((نشيد الله))(24)، وفي إهدائه يفترش ذراعيه في تفصيلات جلبابه
(( إلى أمي في يوم غيابها))؛ إذ كان الغياب وأداً؛ لولادة بسمة المشتهى في حضن الأم التي غيبت المنافي دِفأها، وصمت مهدُ يديها، وهي الأرومة التي أرضعت الشاعر عراقيته. رحلت الأم، فنأت الديار، والولد غريب، أخذت منه المنافي مهد طفولته الذي لمّا يزل يهتز في ذاكرته الطرية، على الرغم من العاديات المرة، رحلت التي أرضعت طفولته طمأنينة، وهدوءاً، وهو يسمع هدهدات كأنغام عزف ناي يملأ المكان حنواً، وشجناً؛ فهو ليس كأي ناي ((هي أُمي / كما الأُمهات / أرضعتني العراق الأحد / … هي أمي / فيض الحنين / فاض فيَّ / واحتشد)). أرادها شفيعة له في منفاه الذي لم يمنح الأم ما ((تمنت / أن أكون لها سَنَدْ / في دنياها / وفي دهرها الأشد))، وهل أشدُّ من كهولة لم تحتضن سهرها، ومن داعبته عيونها، وأودعته الأمان، وصار رزقاً في متناول الروح، وبقايا العمر!؟.
كان الزمن شديد الوطء عليهما؛ فهو يسمع أنين وجعها متلبساً في النفس؛ كغروب شمس ((السماوة))، ((وحين عصف الدمار/ تركها / من دون ولد)). كانت تداعيات الوجد، والغربة تحاصران الشاعر في منفاه فيمد صوت لوعته ((أماه / وأنا الطفل الصغير / لمن أشكو؟ / ما من أحد / اغفري / أماه / هذا الفراق وقد طال الأمد)). كانت السنون عجافاً، والتجوال فيها ضاعت خرائطهُ؛ إنها فاجعة النهرين اللذين جَفَّ مدهما؛ فانقطعت السبل، وتصعدت ثنائية الوجد وجعاً على وقع موسيقا متراتبة، تهيمن عليها مساحة شجن عميق، وعلى وقع ذلك يتأجج زفير الشاعر قسماً يملأ فضاء الغربة مرمزاً: ((قسماً بلحدك / أماه / أنت العراق / جُلّى البلد)). توأمة (( الوطن والأم)) يمكن أن تقرأ؛ بدلالة الوأد، والتهجير، والسجن، والغربة، والموت، والجوع.. الخ
((أبكيك / أم أبكي بلادي / في حصار الموت والوأد))، ويمكن أن يتلمس قارئ النص أنَّهُ اعتمد على تكوينات النص الصوفي، إقاعاً، وقبساً من هالة الخشوع والتبجيل. ويظلّ لظى المنفى مستعراً يرافق الشاعر هناك، وقد ترجم ذلك في نص ((وحدي))(25):
وحدي
حزين أشبه وطني
أبكي وحشتي هذه الليلة
يا لخساراتي
آه …. يا أخي))
قيامة الفقد موجعة حين تؤطرها ((الوحدة))، ولا شفيع، أو أنيس، ولا قلب تتكئ على نبضه، حين يدلهم الحزن، وتتسع رقعة المسافات، وأنت والرحيل توأمان، والوحشة تنشر أَشرعتها على أبواب قلبك، والأحبة يغادرون بعد أن داهمهم الموت، والمنافي تنأى، والنص يبكي ((درويش بيتنا)) وحيداً معزياً خساراته في الوطن والأهل؛ وبخاصة الأخ الأكبر (( درويش البيت)) الذي فارق الحياة، بعيداً عنه.
كتب الشاعر نصوصاً باللهجة الشعبية الجنوبية، وهذه اللهجة تنسجم ((مع لغة العذاب والألم والشعور الطاغي بالغربة المكانية، والزمانية، والنفسية، ومن ثم استيعاب هذه اللغة لواعج الحب والحنين المكثفين اللذين اجتاحا روح الشاعر وأحاسيسه، ومشاعره، وتفكيره، وما تولده هذه اللغة من إيقاعات تنسجم تماماً مع مشاعر المنفيين، وأحاسيسهم الملتهبة والعامرة بحب الوطن وذكريات الطفولة والصبا))(26). والنص الشعبي قد يُستثمر، ليستنهض وعي المتلقي ابن تلك البيئة، ويمكن أن نلحظ ذلك في نصه الشعبي ((حرنا وياك))(27) الذي كتبه عام ألف وتسعمئة وخمس وثمانين؛ فالشاعر في نصوصه الشعبية تجده مهووساً بوجد تسوقنا رمزياته إلى شهية قراءة مشروعة أبوابها، تفوح من عتباتها روائح عشق عذب، لا يخلو من حسرات، و((الدرب يلهث حزن ياذي / وعثرات الوكت ممشاك / بحجر فشخات ترمينا / عطش طاسة حزن .. مليان / وتبدينا)). يترجل النص ليغادر إلى هناك، حيث تربة لهجته؛ يجد الشاعر نفسه تتلذذ في رسم صورة مدهشة، وانزياحات دلالية؛ قد لا يجدها في غير لهجته الأُم التي ظلت مزروعة في حنينه إلى الوطن، أو إلى الحبيبة، يلجأ إليهما حين يعز اللقاء، والنفس أتعبها الشوق، والغربة مغروسة في خاصرة الذاكرة ((موكد ليل روحي / ألملمها بصوانيه / ودزينه الطروش نجوم / العمر ممشى وتطشينا)).
-2-
شوق، وحنين مر
في المنافي يتأجج الحزن، فيتلبس صاحبه، وكان حاضراً في نص ((حزن))(28)، وكأنه شتلة سوداء زرعت في معجم الشاعر، وصارت لازمة من لوازمه، ترافق كثيراً من نصوصه، وما ذلك إِلَّا إسقاطات سنين الترحال في مدن التيه، والمنافي التي لم تكن المبتغى؛ لولا الوعي المبكر الذي قرأ الواقع المر؛ فأُصيب بالإحباط؛ فهاجر خوفاً على سفينته من الغرق؛ إِذ ((عندما يحزن العاشق / تغرق السفن / … / تتصادم الباصات / تنطفئ الشمس / يبكي القمر))، العربة يقودها حصان أهوج، والقمر يبكي على حافات الأنهر؛ كطفل فقد أُمه في زحمة غياب الشمس، والمقاهي تصدح بأغنية (غريبة الروح)، والحزن غيمته تغطي سماء العاشقين، والعصافير، والفقراء؛ فاستحالت الأحلام سراباً و((تفقد النساء شهوتهن / تتشابه الألوان)).
وفي نصه ((فنتازيا عراقية))(29) تنتابه حالة من الاستغراب، وهو يكابر في محنة المنافي، في رحلته المجهولة الموبؤة غربة، وعوالم لم تطأ أفكاره أو أحلامهُ محطاتها، وهو في دوامة الأسئلة المتزاحمة في مرايا وحدته المعتمة ((ماذا ستفعل أمام أبواب المنفى / لو ضاعت بطاقتك الشخصية / في محطة من هذا التيه / ولم تجد عنواناً يأويك؟)). نعم إنه التيه الذي فقد الشاعر فيه خريطة جادته، وهو يبحث عن ملامحه التي تركها عند حافات الوطن أمانة حتى حين؛ ولكنه أضاع كل الاتجاهات؛ إذ لا شيء؛ فهو قادم بلا عنوان، ولا دعوة ترحيب، ومدنه خربها القتل المجاني، والنار تستعر فيها؛ لتمحو أصالتها ودلالاتها فـ ((ماذا تقول لو غيروا اسمك / ومنحوك وطناً يفيض كأبة وشهداء… / لم تجد من ينتظرك / لن تجد بيت أبيك / بيع في غفلة منك / ومن أبيك / ومن غربتك))، وقد قطعت جسور العودة، وبقيت آثار منها، لم يستطع تجاوزها، والبيت فيه جذور مغروسة في الذات، ولكن هناك ((لن تجد ما يشبهك / لن تجد إلّا ألمك / … فماذا سيعود بك إليه..؟)). وفي نصه ((صاحب اللسان الطويل))(30) يقول: (( لا تيأس / واصنع حكايتك الجميلة / اخلق زمانك / ولتكن خطاك بمعنى الذهول…/ حين ارتديت وجعي المطحون بسمرة جسدي / غالبت خطى خساراتي، أحملها لوحدي دوماً)). مذهل هذا النص الطويل؛ إذ يتضمن بعداً نفسياً عن رؤى الشاعر الأحادية عن ما يحيط به، وهو حوار سردي بين الشاعر وذاته؛ حيث الحيرة، والضياع، والغربة، واللذة، والغناء. في النص يمكن القول إن البوح الجواني أو التعبير الباطني يسمع همسه أصداء؛ لا تنتهي ذبذباتها، ولا تستنفذ طاقاتها ((ربما الحكاية تمتلك وجهاً آخر / … / ولي في مخيلتي خبر من كوميديا العراق الباكية)).
وفي نصه الشعبي ((جيتوا على بالي))(31) ترابطت شرايينه بمسروداته التي وزع الشاعر شوقه على أرصفته المجهولة، وهو يشكل صورة في حلم ((البارحة)) التي تختزل زمنها، وما مضى في ذاكرة لم تخرم؛ على الرغم من المنعطفات في ظلمة الدروب الموحشة ((وركضت والله بعثرتي))، بين الصحو، والمتخيل في منافٍ صورتها ثلوج (يوتوبوري)؛ هناك تصبح الأيام، والسنون عجافاً، متسمرة الخطو، ولم يقبض منها إلّا الأماني، وأحلام اللقاء المتعثر ((وكلِي شوك / شكثر بيّه /وطاح حيلي / وروحي ماعَتْ /واِكْعَدِت))، والشوق تأكله المنافي التي صارت وطناً، لا حيلة سواه (( البارحه / جيتوا على بالي / والشهكه ضحكه))، يستدعي الشاعر أحبته؛ ليمنحوا وحدته أحضاناً تملأ سماواته دفءاً عراقياً جنوبياً ((وفرشت أشواكي كلها / كلها الكم / لحد ما خلصت كل البجي))، وكيف كان البكاء!؟؛ إنه بكاء مرّ بطعم أهله، ورائحتهم، بكاء العوز، والقهر، والثكالى، والمشردين المنفيين في بقاع التيه.
وفي نصه ((اشتهاء))(32) يتأجج الحنين إلى الوطن؛ إذ لا وطن بوسع حضنه، ودفئه، وعذوبة فراته، وطيبة أهله الذين جار الزمن عليهم، وعز عليهم لذيذ العيش، وحرية الرأي، وعلى الرغم من ذلك يبقى مزروعاً في النفس المتصحرة، فقد ((عصف الهوى / عطشاً، يشتهي الوطن / وشغاف القلب / شراع / لم يجد سفناً / يشتد الحنين / غرامه / تلك الديار/ لا هنا))، لم يهدأ انثيال المشاعر إلى وطن الطفولة، تربة، وماءً، وناساً، ولذلك تجد الشاعر يقظاً يرصد بصمت تداعيات الحنين، وإن أخذت المنافي جميل عمره، وعاش في مدن الغيوم، لا يرى نخيل بلده الذي يعد رمزاً مهماً من رموز ((سماوته))، كان حريصاً على ذاكرته؛ حتى لا تصاب بالصدأ، وأصبح الشعر مستودعاً لذلك الإرث، بعد أَن تصبح مواسم الروح بوراً تذروه الرياح في الأفق المجهول، وقد وجهت سفينته إلى التيه، بعد فقد الألفة الروحية في عتمة زمان غريب.
وفي نصه ((بِمَ التعلل يا ليلى))(33) الذي كتبه لابنته (ليلى) في عيد ميلادها يقول فيه ((بِمَ التعلل يا ليلى وأنا العليلُ / طال الغياب وطيفك هو الخليل / الليل يا ليلى تيهٌ ومواجعي / أهيم بها حزناً وقد ضاع السبيلُ)) تجليات الميلاد تداهمها الهموم، ويؤرقها البعد، و(لولي) الحاضرة في الذاكرة، والقلب لم تطل المسافة بينها، وبين النص إلّا على ورقة مساحتها ضيقة، والأب تحاصره الدموع في ميلاد عصفورته، وتأكل الأماني تداعيات غربة، يشتد سعيرها، وحلكها (دللول).. وجعي يأكل كبدي / وحزني عصاي والرحيلُ / يا عصفورتي على غصنِ وحشتي / الأشواق بي ضكت.. وما يُعيلُ /… الليل يا ليلى يؤلمني ولا يطيبُ))؛ فالظلمة تجتاح الكينونة المعلقة بخيط أمل، تنسجه القصيدة استدعاء لفرحة منتظرة لميلاد لقاء الأحبة ((طيفك في صحوتي وسكينتي / يا بنيتي وقد ((قلت حيلتي)) / للرب أشكو، وهو المجيبُ))





