روبيو يؤكد أن إدارة ترامب تواصلت مع زعماء الإمارات والسعودية ومصر بشأن السودان
تدرك إدارة الرئيس ترامب أن مفتاح الحل في السودان يمر عبر العواصم الإقليمية المؤثرة
الرباعية الدولية تقترح فرض هدنة إنسانية لمدة 3 أشهر تبدأ مع العام الجديد بالتوازي مع مناقشة آلية “رقابة تقنية” بالأقمار الصناعية
أعلن الاتحاد الأوروبي، إطلاق 3 مشاريع بقيمة 95 مليون يورو في السودان بهدف مساعدات المجتمعات المتضررة من النزوح والنزاعات
هذه الحزمة من المساعدات التي ينفذها 3 شركاء “برنامج الأغذية العالمي والمجلس الدنماركي للاجئين، ومنظمة كير هولندا” تستهدف 11 ولاية
واشنطن / النهار
في تحرك لافت يعكس أولويات إدارة الرئيس دونالد ترامب، حدد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو سقفاً زمنياً لوقف القتال في السودان، واضعاً نهاية العام الحالي كهدف فوري لوقف الحرب. ويأتي هذا التصريح في وقت يعاني فيه البلد من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مما يشير إلى رغبة واشنطن في تحقيق انتصار دبلوماسي سريع وملموس.
ويمثل هذا التحديد الزمني ضغطاً سياسياً على طرفي الصراع، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لتقديم تنازلات فورية. فيما يهدف وقف القتال إلى تمكين المنظمات الدولية من إيصال المساعدات المنقذة للحياة، في ظل تقارير تحذر من مجاعة وشيكة واتساع رقعة الأوبئة.
وتدرك إدارة الرئيس ترامب أن مفتاح الحل في السودان يمر عبر العواصم الإقليمية المؤثرة وكشف روبيو عن تواصل فعلي رفيع المستوى مع ثلاثة فاعلين أساسيين وهم الإمارات والسعودية ومصر.
ويستهدف هذا التواصل بناء جبهة موحدة للضغط على طرفي الصراع، وتنسيق الجهود لمنع انزلاق السودان نحو انهيار كامل، وهو ما قد يهدد أمن واستقرار الجوار الأفريقي والعربي.
ويمثل تصريح روبيو تحولاً من “الدبلوماسية النفسية الطويلة” إلى “دبلوماسية الأهداف المحددة زمنياً”، حيث يضع ربط وقف القتال بنهاية العام مصداقية واشنطن على المحك، ويجبر القوى الإقليمية والمحلية على إعادة حساباتها قبل الدخول في العام الجديد.
وأفادت تقارير بأن الرباعية الدولية تقترح فرض هدنة إنسانية لمدة 3 أشهر تبدأ مع العام الجديد، بالتوازي مع مناقشة آلية “رقابة تقنية” بالأقمار الصناعية والمسيرات لمراقبة وقف إطلاق النار، وهو مطلب أميركي لضمان عدم استغلال الهدنة لإعادة التسلح.
وأعلن الاتحاد الأوروبي، إطلاق 3 مشاريع بقيمة 95 مليون يورو في السودان بهدف مساعدات المجتمعات المتضررة من النزوح والنزاعات، حيث يعيش غالبية السودانيين أوضاعا مأساوية.
وقال الاتحاد، في بيان “في خطوة لتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود في السودان، نعلن عن إطلاق 3 مشاريع بقيمة إجمالية تبلغ 95 مليون يورو”.
وعن هدف المشاريع، كشف البيان أنه “لمساعدة المجتمعات المتضررة من النزوح والنزاعات، وتحسين سبل العيش والحماية في مناطق رئيسية في أنحاء البلاد”.
وأشار إلى أن هذه الحزمة من المساعدات التي ينفذها 3 شركاء “برنامج الأغذية العالمي، والمجلس الدنماركي للاجئين، ومنظمة كير هولندا”، تستهدف 11 ولاية.
والولايات المستهدفة هي “الخرطوم، القضارف وكسلا والبحر الأحمر (شرق)، و الشمالية ونهر النيل (شمال)، ووسط وجنوب دارفور (غرب)، والنيل الأبيض، وشمال وجنوب كردفان (جنوب).
وأوضح البيان أن “هذه المشاريع تهدف إلى إفادة أكثر من 500 ألف شخص من خلال التدريب المهني، ومنح المشاريع الصغيرة، وبرامج التغذية المدرسية، وخدمات الحماية الأساسية، مثل الأماكن الآمنة والملاجئ” .
وتتفاقم المعاناة الإنسانية في السودان جراء حرب بين الجيش وقوات الدعم السريع اندلعت منذ أبريل/نيسان 2023 بسبب خلاف بشأن توحيد المؤسسة العسكرية، ما تسبب بمقتل عشرات الآلاف ونزوح 13 مليون شخص.
وأعلنت منظمة الهجرة الدولية الأحد، عن نزوح أكثر من 107 آلاف شخص من مدينة الفاشر والقرى المحيطة في ولاية شمال دارفور غربي السودان، وذلك خلال الفترة الممتدة بين 26 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي وحتى 8 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، جراء تفاقم انعدام الأمن.
وأشارت إلى أن “الغالبية العظمى من النازحين حوالي 72 بالمئة بقيت داخل ولاية شمال دارفور في مناطق شمال وغرب الولاية”. وذكرت أن التقديرات تشير إلى أن 19 بالمئة من النازحين وصلوا إلى ولايات أخرى في السودان، بينها ولاية وسط دارفور (غرب) والشمالية (شمال)، والنيل الأبيض (جنوب)”.
وحسب فرق ميدانية تابعة لحركة مصفوفة النزوح، فإن ثلاثة أرباع 75 بالمئة من النازحين منذ 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025 كانوا بالفعل نازحين داخلياً، بما في ذلك أولئك الذين نزحوا في البداية من مخيمات النازحين الرئيسية (زمزم، أبو شوك) أو مواقع داخل مدينة الفاشر خلال التصعيدات السابقة، ثم نزحوا مرة أخرى.
وأشارت إلى أن القيود المفروضة على الحركة وانعدام الأمن قد تحدّ من التنقل، وقد تتغير مسارات النزوح تبعًا لتطورات الأوضاع والظروف الأمنية. ولفتت إلى أن هذه الأرقام أولية وقابلة للتغيير نظرًا لاستمرار انعدام الأمن وتطورات ديناميكيات النزوح السريعة، مؤكدة أن الوضع ولا يزال متوترًا ومتقلبًا للغاية.
وبجانب ولايات دارفور، تشهد ولايات إقليم كردفان الثلاث (شمال وغرب وجنوب)، اشتباكات ضارية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أسابيع، أدت إلى نزوح عشرات الآلاف في الآونة الأخيرة.
ومن أصل 18 ولاية في البلاد، تسيطر الدعم السريع على ولايات دارفور الخمس غربا، باستثناء أجزاء من شمال دارفور التي لا تزال تحت سيطرة الجيش، الذي يفرض نفوذه على معظم الولايات الـ13 المتبقية، بما فيها العاصمة الخرطوم.
كما أعاد الاتفاق الذي جرى التوصل إليه بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وجوبا، والقاضي بإسناد مهمة تأمين منشآت حقل هجليج النفطي إلى جيش جنوب السودان، فتح باب التساؤلات حول أولويات أطراف الصراع في السودان، كاشفًا عن مفارقة صارخة في إدارة الحرب. ففي الوقت الذي عجز فيه الفرقاء عن إبداء أي مرونة لحماية المدنيين أو وقف نزيف الدم، ظهرت إرادة سياسية سريعة حين تعلّق الأمر بضمان تدفق النفط وحماية عائداته المالية. ويمثل هذا الترتيب الأمني، الذي جاء عقب سيطرة قوات الدعم السريع على الحقل النفطي الأسبوع الماضي.
وقد تحولت الحرب التي اندلعت على خلفية الصراع على السلطة بين الجيش والدعم السريع تحولت، خلال ما يقارب ثلاثة أعوام، إلى واحدة من أكثر النزاعات دموية في العالم. فقد سُجلت انتهاكات جسيمة بحق المدنيين شملت القتل الجماعي، والاعتقالات التعسفية، والتعذيب، والعنف الجنسي، إضافة إلى استخدام التجويع كسلاح حرب، ما دفع الأمم المتحدة إلى تصنيف الوضع في السودان كأسوأ أزمة إنسانية راهنة.
ورغم هذه المأساة، لم يتم التفاعل بالشكل المطلوب مع المبادرة الإنسانية التي طرحتها الولايات المتحدة ضمن إطار “الرباعية الدولية” في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. غير أن المشهد تبدل فجأة عندما لامس الصراع أحد أهم شرايين الاقتصاد السوداني.
فقد أعلن متحدث باسم حكومة جنوب السودان التوصل إلى اتفاق ثلاثي بين الجيش السوداني، وقوات الدعم السريع، والجيش الشعبي لتحرير السودان، يقضي بانسحاب القوتين المتحاربتين من محيط حقل هجليج، وتولي قوات جنوب السودان مهمة تأمينه. وأوضح أن هذا التفاهم جاء عقب اتصالات أجراها الرئيس سلفاكير ميارديت مع قيادتي النزاع في الخرطوم، في مسعى لاحتواء المواجهات حول المنشآت النفطية.
ويُعد حقل هجليج من أكبر الحقول النفطية في السودان، كما يشكل نقطة حيوية لاقتصاد جنوب السودان، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على تصدير نفطه عبر الأراضي السودانية. هذا العامل، بحسب محللين، يفسر سرعة التوافق بين خصمين فشلا في الاتفاق على حماية البشر، لكنهما نجحا في تحييد النفط عن نيران الحرب.
واعتبر القيادي في تحالف القوى المدنية الديمقراطية “صمود”، عمر الدقير، أن الاتفاق حول حماية المنشآت النفطية يبرهن على أن الإرادة السياسية متوفرة، لكنها تُستدعى فقط عندما تمس المصالح الاقتصادية. ودعا إلى توجيه هذه الإرادة نحو وقف الحرب وحماية أرواح السودانيين، مؤكدًا أن قيمة الإنسان يجب أن تتقدم على قيمة النفط.
وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد الضغوط الدولية، إذ فرضت بريطانيا مؤخرًا عقوبات على عدد من قادة قوات الدعم السريع، متهمة إياهم بالتورط في جرائم قتل جماعي وعنف جنسي منظم. غير أن هذه الخطوات، على أهميتها، لم تُترجم حتى الآن إلى مسار سياسي يخفف معاناة المدنيين.
وميدانيًا، تتركز الاشتباكات العنيفة في ولايات إقليم كردفان، حيث تسبب القتال في موجات نزوح جديدة، وسط مخاوف من تكرار سيناريو دارفور. ومع استمرار الحرب، يدفع المدنيون الثمن الأكبر، في وقت يبدو فيه أن حماية النفط تحظى بإجماع أسرع من حماية الأرواح.
وانتقلت القاهرة إلى مرحلة “الحسم الدبلوماسي” في الملف السوداني، بإعلانها رسمياً عن “خطوط حمراء” لا تقبل التهاون، مؤكدة أن أمن السودان ووحدة أراضيه جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري. وجاء هذا الموقف في أعقاب قمة حاسمة عقدت في القاهرة اليوم الخميس، بين الرئيس عبدالفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبدالفتاح البرهان، في مستهل زيارة رسمية تعكس اعترافاً مصرياً صريحاً بالشرعية المطلقة للمؤسسات الوطنية السودانية.
ويعكس هذا التحول إدراكاً مصرياً بأن الصراع في الجارة الجنوبية قد تجاوز حدود النزاع الداخلي، ليتحول إلى تهديد وجودي يمس العمق الاستراتيجي لمصر، خاصة في ظل استمرار المعارك الضارية وتفاقم المآسي الإنسانية في الفاشر وولايات كردفان.
بوصلة الأمن القومي: الماء والمؤسسات
وتضع القاهرة استقرار مؤسسات الدولة السودانية في كفة، وأمنها المائي في الكفة الأخرى، حيث ترى أن أي ضعف في بنية الدولة الوطنية بالخرطوم قد يفتح الباب لواقع سياسي يضر بحصة مصر والسودان في مياه النيل، أو يمنح أطرافاً إقليمية فرصة لفرض سياسة الأمر الواقع في ملف “سد النهضة”.
وعلى الصعيد الأمني، تواجه مصر ضغوطاً ديموغرافية ولوجستية هائلة جراء موجات النزوح المليونية، ما دفعها للتحذير من مغبة انهيار المنظومة الأمنية على الحدود المشتركة الممتدة لأكثر من 1200 كم، منعاً لتحولها إلى ممرات لتجارة السلاح أو تسلل العناصر المتطرفة، وهو استنزاف ترفض القاهرة استمراره لميزانية الأمن والدفاع.
وفي رسالة شديدة اللهجة، عبرت الرئاسة المصرية عن قلقها البالغ إزاء “المذابح المروعة” بحق المدنيين، مشددة على رفضها القاطع لإنشاء أو الاعتراف بأي “كيانات موازية” للجيش السوداني، معتبرة أن الحفاظ على المؤسسة العسكرية ووحدة التراب السوداني “خط أحمر” يحظر تجاوزه أو العبث به.
التلويح بـ”الدفاع المشترك”
ولم تكتفِ القاهرة بالتحذير السياسي، بل لوّحت بحقها الكامل في اتخاذ كافة التدابير التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية “الدفاع المشترك” مع السودان لضمان حماية هذه الخطوط الحمراء، في إشارة واضحة إلى استعدادها للتحرك الفعلي إذا ما انزلقت الأوضاع نحو التقسيم أو الفوضى الشاملة.
وبالتوازي مع لغة القوة، أكدت القاهرة تمسكها بالحلول السياسية عبر “الرباعية الدولية”، داعية إلى تنفيذ هدنة إنسانية تقود لوقف دائم لإطلاق النار وإنشاء ممرات آمنة للمدنيين، بالتنسيق الكامل مع مؤسسات الدولة الشرعية، لإنهاء معاناة الشعب السوداني الذي دفع فاتورة باهظة للحرب منذ أبريل/نيسان 2023، تمثلت في مقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من 13 مليون شخص.
وتأتي زيارة البرهان إلى القاهرة في وقت تتصاعد فيه الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في عدة أنحاء بالبلاد. وتشهد ولايات إقليم كردفان الثلاث (شمال وغرب وجنوب)، اشتباكات ضارية بين الجيش والدعم السريع منذ أسابيع، أدت إلى نزوح عشرات الآلاف في الآونة الأخيرة.
وتسيطر “الدعم السريع” على ولايات دارفور الخمس غربا، باستثناء أجزاء من شمال دارفور التي لا تزال تحت سيطرة الجيش، الذي يفرض نفوذه على معظم الولايات الـ13 المتبقية، بما فيها العاصمة الخرطوم.





