ارتكاب قوات الدعم السريع انتهاكات واسعة تمثلت في خطف جماعي للمدنيين واحتجازهم مقابل فدى مالية مع تنفيذ إعدامات فورية
عشرات الآلاف قُتلوا بالفعل على يد قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر وحدها
كشفت التقارير عن وجود منظومة ابتزاز منظمة داخل مراكز احتجاز خاصة في مدينة نيالا حيث يحتجز آلاف المدنيين في ظروف قاسية
تطهير عرقي من بيت إلى بيت على صور الأقمار الصناعية نرى مركبات تسد الأزقة وأجساما بطول 1.3 متر ملقاة أفقيا وأحيانا بقعا حمراء باهتة
وكالات / النهار
استعرضت صحيفة واشنطن بوست شهادات لبعض الناجين ذكروا فيها أن مقاتلي قوات الدعم السريع قاموا باعتقال جماعي للمدنيين في مدينة الفاشر بالسودان مع تعريضهم للتعذيب وابتزاز عائلاتهم للحصول على المال.
وذكرت الصحيفة -في تقرير بقلم كاثرين هوريلد وحافظ هارون- بأن شهادات الناجين ومنظمات حقوقية أشارت إلى ارتكاب قوات الدعم السريع انتهاكات واسعة النطاق عقب سيطرتها على مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، تمثلت في خطف جماعي للمدنيين واحتجازهم مقابل فدى مالية، مع تنفيذ إعدامات فورية بحق الذين يعجزون عن الدفع، وأحيانا أمام أفراد من أسرهم.
ووفق هذه الروايات، تعرّض المحتجزون للتعذيب والتجويع والإذلال، وأُجبروا تحت تهديد السلاح على الاتصال بذويهم للمطالبة بمبالغ مالية كبيرة مقابل الإفراج عنهم، كما نقلت الصحيفة الأميركية.
وتفاقمت هذه الانتهاكات بعد حصار طويل للمدينة استمر نحو عام ونصف -حسب الصحيفة- ومع انسحاب الجيش السوداني أواخر أكتوبر/تشرين الأول، نفذت قوات الدعم السريع حملات اعتقال واسعة شملت رجالا ونساءً وأطفالا.
منظومة ابتزاز
ومع أنه يصعب تحديد الحجم الحقيقي للجرائم بسبب انقطاع الاتصالات -كما تقول الصحيفة- فإن الشهادات المتوفرة تصف مشاهد مروعة من دهس مدنيين بمركبات مدرعة، وإعدامات جماعية مصورة، إلى ترك أطفال يتامى تائهين في الصحراء.
وتأتي هذه الأحداث في سياق حرب مستمرة منذ أبريل/نيسان 2023، صنفتها الأمم المتحدة أسوأ أزمة إنسانية في العالم، أدت إلى نزوح نحو 12 مليون شخص، مع مقتل أعداد هائلة من المدنيين.
ويعتقد ناثانيال ريموند، مدير مختبر البحوث الإنسانية في كلية ييل للصحة العامة، أن عشرات الآلاف قُتلوا بالفعل على يد قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر وحدها، مشيرا إلى أن مختبره سوف يصدر تقريرا الأسبوع المقبل يوثّق ما لا يقل عن 140 موقعا لتكدس الجثث، ويرصد جهودا واسعة النطاق لإخفاء أدلة المذابح.
وقد كشفت التقارير عن وجود منظومة ابتزاز منظمة داخل مراكز احتجاز -كما تقول الصحيفة- خاصة في مدينة نيالا، حيث يحتجز آلاف المدنيين في ظروف قاسية، ولا يُفرج عنهم إلا بعد دفع فدى عبر تحويلات مالية، في حين أدت عمليات التعذيب وسوء الأوضاع الصحية إلى وفيات متكررة.
وأكدت منظمات طبية وحقوقية احتجاز أطباء وسياسيين وإعلاميين ضمن الضحايا، وقال عامل طبي تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته خوفا من الانتقام، إنه بقي في مدينة الفاشر طوال فترة الحصار، وعندما اجتاح المقاتلون المدينة، فر مع مجموعة تضم نحو 100 شخص، لكنهم أُسروا سريعا، وأُعدم نحو 30 منهم في المكان عينه.
الشهادات المتوفرة تصف مشاهد مروعة من دهس مدنيين بمركبات مدرعة وإعدامات جماعية مصورة إلى ترك أطفال يتامى تائهين في الصحراء
محتجزون تحت تهديد السلاح
وقال العامل إن الناجين نقلوا في قافلة إلى مدينة كتم، وأضاف: “أنزلونا في منزل مهجور وأمرونا بالاتصال بعائلاتنا. قالوا لي عليك إقناعهم بدفع 50 مليون جنيه سوداني، وإلا سنعدمك فورا”.
اتصل العامل الطبي -حسب الصحيفة- بأصدقائه لأنه يعلم أن عائلته لا تملك هذا المبلغ، وتمكّن أصدقاؤه من تخفيض الفدية إلى 15 مليون جنيه سوداني (نحو 25 ألف دولار)، وحُوّلت الفدية وأُطلق سراحه.
وقال هذا العامل إن الحراس يشجعون على القتل العشوائي، وإنه سمع أحدهم يقول: “يجب أن تقتلوا نصفهم للضغط على البقية كي يدفعوا”. وقال شاهد آخر إن نحو 150 شخصا غادروا الفاشر معه لم يبقَ منهم سوى 30، بعد أن قتلت قوات الدعم السريع الباقين على الحواجز وفي القصف وبالدهس.
وعلى الصعيد السياسي، سلّطت الفظائع الضوء على التنافس الإقليمي حول السودان، وسط اتهامات بدعم أطراف في النزاع، في وقت لم تفلح فيه العقوبات الدولية في وقف العنف.
وبينما تتواصل الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب، لا يزال آلاف المدنيين محتجزين تحت تهديد السلاح، مما يعكس عمق المأساة الإنسانية واتساعها في دارفور والسودان عموما.
وبعد حصار دام 18 شهرا، سقطت مدينة الفاشر، آخر معاقل القوات المسلحة السودانية في دارفور، بيد قوات الدعم السريع يوم 26 أكتوبر/تشرين الأول لتتحول إلى مسرح لمجازر وجرائم مروعة ضد المدنيين، حسب صحيفة لوفيغارو.
وكشفت شهادات الناجين -حسب مراسل الصحيفة الفرنسية بالقاهرة باستيان ماسا- فظائع يصعب تصورها، ما بين جثث متناثرة على الطرق، ورجال يقتلون لمجرد أنهم ذكور، ونساء وأطفال يتعرضون للعنف والاغتصاب أثناء محاولتهم الفرار.
وقالت أميرة، التي فرت مع أطفالها الأربعة من مدينة الفاشر نحو كورما، “كان هناك العديد من الجنود على الطريق. كلما رأوا رجلا قتلوه. رأيناهم يذبحون رجلين أمامنا بسكين. ثم صادفنا مجموعة أخرى، يرتدون زي قوات الدعم السريع، فسرقوا كل ما تبقى معنا. الآن، يستيقظ ابني ليلا وهو يرتجف خوفًا من تلك المشاهد”.
تطهير عرقي
وبالفعل وصلت مئات الحالات من ضحايا الاغتصاب والإصابات بالرصاص، ومئات الأطفال دون أسرهم، إلى مخيم تاويلا للنازحين، في الوقت الذي تشير فيه المنظمات الإنسانية إلى أن ثلاثة أرباع سكان الفاشر ما زالوا محاصرين، وسط انقطاع شبه تام للمعلومات، إلا ما تكشفه صور الأقمار الصناعية من ممرات مغلقة وجثث متناثرة في الشوارع، مما يعد مؤشرا على وقوع عمليات قتل جماعي، كما يقول المراسل.
وتساءل ناثانيال ريموند، مدير مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، “أين الباقون؟ نرى نشاطا ضئيلا في المدينة، ولا شيء يدل على أنهم تمكنوا من الفرار. بل بالعكس، نرى في صور الأقمار الصناعية أجساما صغيرة تشبه الجثث”.
وأضاف ريموند “إنه تطهير عرقي من بيت إلى بيت. على صور الأقمار الصناعية، نرى مركبات تسد الأزقة، وأجساما بطول 1.3 متر ملقاة أفقيا، وأحيانا بقعا حمراء باهتة”.
ويقول إبراهيم المقيم في كمبالا “نحو 200 شخص من عائلتي في الفاشر، ولا أخبار عنهم. من لم يقتل بالرصاص يموت جوعا أو عطشا. علمت أن أختي فاطمة، وهي ممرضة، قتلت في مستشفى الولادة السعودي، وتعرف عليها أقاربنا في فيديوهات قوات الدعم السريع”.
وذكرت الصحيفة بمجزرة مستشفى الفاشر التي أعدم خلالها أكثر من 460 مريضا وطبيبا وممرضة في أول يوم للهجوم، مشيرة إلى أن قيادة الدعم السريع حاولت نفي تلك الجرائم رغم تداول عشرات الفيديوهات التي صورها عناصرها أنفسهم، وادعت أنها “حملة تشويه”، قبل أن تعلن تشكيل لجنة تحقيق شكلية تحت ضغط دولي، حسب المراسل.
أكثر مجزرة متوقعة
وبالفعل تم اعتقال القائد الميداني المعروف باسم أبو لولو الذي تفاخر علنا بقتل أكثر من ألفي مدني، في مشهد وصفه سودانيون بأنه “مسرحية إعلامية”، لأن المراقبين يرون أن اعتقاله لم يكن على القتل بل على التصوير.
وقال خبراء إن ما يجري في الفاشر هو استكمال مباشر لجرائم الجنجويد في بدايات حرب دارفور قبل 20 عاما، لكن بأدوات أكثر حداثة، إذ حلت المركبات المدرعة والطائرات المسيرة محل الخيول والجمال، كما تحولت قوات الدعم السريع إلى مليشيا مدججة بالسلاح بفضل دعم مالي ولوجيستي كبير من دولة الإمارات، كما تقول لوفيغارو.
وتشير مصادر ميدانية -حسب المراسل- إلى أن عناصر من دارفور يتدربون على تشغيل الطائرات المسيرة في إحدى الدول الإقليمية، وأن خطوط الإمداد تمتد عبر ليبيا والصومال، بغطاء من شبكة علاقات تربط قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) بقادة تلك الدولة وبالمشير خليفة حفتر في ليبيا.
ويصف ناثانيال ريموند ما يحدث بأنه “أكثر مجزرة متوقعة في تاريخ البشرية”، إذ وثق الباحثون تطورات الحصار لحظة بلحظة على مدار عام ونصف دون أن يتحرك المجتمع الدولي، لأن “العلاقات مع بعض الدول أهم من حياة السودانيين بالنسبة للغرب”، كما يضيف الباحث بمرارة.
وعقد السفير السوداني لدى إثيوبيا الزين إبراهيم، مؤتمرا صحفيا تناول تطورات الأوضاع الميدانية في مدينة الفاشر بإقليم دارفور، موجهًا اتهامات مباشرة إلى جهات إقليمية ودولية بدعم قوات الدعم السريع بالأسلحة والتمويل والمعلومات الاستخباراتية عبر الأقمار الصناعية.
وقال الزين إبراهيم إن ما يحدث في السودان جرائم حرب وإبادة جماعية تتطلب تحركا دوليا عاجلا.
وذكّر بأن الفاشر صمدت لأكثر من 500 يوم أمام حصار شامل وهجمات متكررة قبل أن تسقط نتيجة تدخلات خارجية ودعم عسكري متطور قدم لتلك المليشيا، على حد قوله.
وأوضح أن المليشيا استخدمت أسلحة محرمة دوليا وارتكبت مجازر مروعة بحق المدنيين والمرضى داخل المستشفيات، مضيفا أن تصوير الجناة لأنفسهم أثناء ارتكاب الجرائم يمثل تحديا صارخا لكل القيم الإنسانية.
في سياق متصل، أكد السفير أن السودان لن يقف مكتوف الأيدي أمام ما وصفه بالإرهاب المنظم، مشيرا إلى أن بلاده أعلنت التعبئة الوطنية، وأن الشعب السوداني موحد خلف قواته المسلحة والقوى المساندة لها للدفاع عن الوطن واستعادة المدن التي سيطرت عليها المليشيا، على حد قوله.
ودعا السفير الزين إبراهيم المجتمع الدولي إلى تصنيف مليشيا الدعم السريع كمنظمة إرهابية وفرض عقوبات شاملة عليها ووقف أي دعم أو تمويل يصلها من الخارج، سواء عبر الشركات أو الاتصالات أو التحويلات البنكية.
كما طالب بالتحقيق في دور بعض الدول الإقليمية التي تمر عبرها الأسلحة والمرتزقة إلى السودان، مؤكدا أن السكوت الدولي يعني تشجيعا لمزيد من الفظائع.
جلسة أفريقية
وكشف السفير أن مجلس السلم والأمن الأفريقي سيعقد جلسة خاصة بالدول المعلقة عضويتها يوم 13 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري.
وقال إن السودان سيقدم خطابا خلال هذه الجلسة، مضيفا أن وضعه مختلف تماما عن الدول المجمدة عضويتها كونه “يتعرض لمؤامرة كبيرة وعلى الاتحاد الأفريقي أن يتحمل مسؤوليته”.
واعتبر أن غياب الاتحاد عن المشهد السوداني أضعف قدرته على تقديم مبادرات وحلول لتسوية الأزمة. ودعا إلى إعادة عضوية السودان في الاتحاد.
وأشار إلى أن مجلس السلم والأمن الأفريقي اعترف بمجلس السيادة الانتقالي والحكومة المدنية في السودان، ما يوجب على الاتحاد الأفريقي التعامل بإنصاف واتساق مع الحقائق على الأرض.
ووجّه السفير السوداني نداء عاجلا للمجتمع الدولي والعالم لمراقبة الوضع، وقطع أي دعم عسكري أو لوجستي للمليشيا، ووقف تدفق الأسلحة والمرتزقة لضمان حماية المدنيين واستعادة الأمن والاستقرار في السودان.
وجدد السفير الزين إبراهيم التأكيد على أن السودان قادر على تجاوز محنته واستعادة استقراره ووحدته، داعيا المجتمع الدولي إلى تسمية الأشياء بأسمائها ووقف كل أشكال الدعم الخارجي للمليشيات.





