تحليل ونقد
عبد الحسين الشيخ علي
تعد رواية كلكامش عودة الثلث الأخير للروائي واثق الجلبي نصا روائيا ينتمي إلى ما يمكن تسميته بالرواية التأويلية ذات البعد الثقافي والفلسفي إذ لا تكتفي بإعادة سرد الملحمة السومرية الأشهر بل تعيد إنتاجها من داخل الوعي العراقي المعاصر لتفتح حوارا بين الماضي والحاضر وبين الأسطورة والواقع وبين سؤال الخلود وسؤال المعنى ولذلك فإن المنهج النقدي الأكثر ملاءمة لقراءة هذا النص هو المنهج التأويلي الثقافي الذي يتعامل مع العمل الأدبي بوصفه شبكة من الرموز والدلالات الثقافية والفلسفية تتجاوز ظاهر الحكاية إلى ما تضمره من رؤى للعالم.
ينطلق واثق الجلبي من لحظة مسكوت عنها في ملحمة كلكامش الأصلية وهي لحظة ضياع عشبة الخلود بعد أن ابتلعتها الحية ليجعل منها نقطة انطلاق لسرد جديد يتخيل فيه أن كلكامش عاد إلى البئر ليعثر على بقايا العشبة ويبتلعها فتبدأ رحلته الثانية مع الخلود.
ومنذ هذه البداية يعلن النص انفصاله عن الملحمة الأم ليؤسس فضاء روائيا خاصا به فهو لا يعيد كتابة الحدث القديم بل يعيد مساءلته وتأويله ويمنحه بعدا وجوديا معاصرا.
لقد نجح الروائي في استثمار الفراغات النصية الموجودة في الملحمة الأصلية وتحويلها إلى مناطق خصبة للتخييل حيث انتقل كلكامش من صورة البطل المنتصر إلى صورة الإنسان المهزوم أمام أسئلته الخاصة.
وهنا تكمن القيمة الفنية الكبرى للرواية لأن البطل لم يعد ذلك المحارب الذي يهزم الوحوش وإنما صار وحشا لذاته يطارده خوفه من الموت وعجزه عن التصالح مع فناء الجسد.
يتحول الخلود في الرواية من حلم نبيل إلى لعنة ثقيلة فالروائي يهدم الفكرة البطولية التقليدية ويعيد بناءها على أساس إنساني. إن الخلود الذي حلم به كلكامش لا يقوده إلى السعادة بل إلى مزيد من الفقد والاغتراب والتشظي.
وتتجسد هذه الرؤية من خلال سلسلة التحولات التي يعيشها البطل إذ يصبح أجيرا وفلاحا وزوجا وأبا ومسافرا وشاهدا على خراب الأزمنة. إنه ينتقل من مركز السلطة إلى هامش الحياة ليكتشف المعنى الحقيقي للوجود.
وتكشف الرواية عن انحياز واضح للإنسان العادي مقابل البطولة المتعالية فحين يعيش كلكامش حياة الأسرة البسيطة يدرك أن دفء البيت وابتسامة الأطفال وحنان الزوجة أكثر خلودا من أسوار أوروك وانتصاراتها.
لقد استطاع الروائي أن يقلب المعادلة الملحمية رأسا على عقب فالملحمة القديمة كانت تحتفي بالمجد والقوة أما الرواية فتحتفي بالرحمة والمحبة والعمل والأسرة وهنا تبرز النزعة الإنسانية للنص بوصفها بديلا عن النزعة البطولية.
ومن أبرز ملامح الرواية حضور الأسئلة الوجودية بكثافة شديدة فالنص يكاد يكون سلسلة طويلة من التساؤلات حول الموت والخلود والله والزمن والقدر والمعرفة والخطيئة والحقيقة.
وقد افتتح الروائي عمله بمجموعة من الأسئلة المتلاحقة التي تؤسس للأفق الفلسفي للرواية منها
هل البحث عن الخلود يوازي عملية البحث عن الله
هل توجد عين للحياة
إذا تم خلود الإنسان فهل هو يعاند إرادة الخالق العظيم
وهذه الأسئلة لا تبحث عن إجابات نهائية بقدر ما تعبر عن قلق الإنسان الوجودي وعجزه أمام أسرار الكون. إن الرواية لا تقدم يقينا فلسفيا بل تحتفي بالحيرة بوصفها جوهر التجربة الإنسانية.
غير أن هذا الحضور الكثيف للأسئلة أوقع النص أحيانا في نوع من الترهل الفكري فبعض المقاطع تتحول إلى تأملات مطولة تؤخر حركة السرد وتضعف التوتر الدرامي إذ يطغى صوت المؤلف الفيلسوف على صوت الشخصية الروائية فتبدو بعض الصفحات أقرب إلى المقالة الفكرية منها إلى البناء الحكائي.
ومن الناحية الفنية اعتمد الروائي على تقنية المزج بين السرد والحوار والتداعي الداخلي وقد هيمنت لغة شاعرية عالية الكثافة على معظم صفحات الرواية فاللغة عند واثق الجلبي ليست وسيلة نقل بل أداة خلق وإيحاء إذ تتداخل الصورة الشعرية مع الجملة السردية لتنتج إيقاعا خاصا.
وتظهر خبرة الكاتب الشعرية في كثرة الاستعارات والتشبيهات والانزياحات غير أن هذه الشعرية المفرطة كانت في بعض المواضع عبئا على السرد إذ تؤدي إلى إبطاء الحدث وإغراقه في الزخرفة البلاغية فتغدو اللغة غاية في ذاتها بدلا من أن تكون خادمة للحكاية.
أما شخصية الحية فتعد من أهم الابتكارات الرمزية في الرواية فهي لم تعد مجرد كائن سرق عشبة الخلود كما في الملحمة القديمة بل تحولت إلى قرين فلسفي لكلكامش تجادله وتسخر منه وتكشف تناقضاته وتشاركه لعنة الخلود وأحيانا تبدو الحية صورة أخرى من ذات البطل أو ضميره أو رغبته الدفينة وبذلك تتجاوز وظيفتها الحكائية لتصبح رمزا ثقافيا متعدد الدلالات.
ومن جهة أخرى فإن الرواية تمارس نوعا من إعادة كتابة الهوية العراقية إذ يصر الكاتب على ربط كلكامش بالعراق المعاصر بوصفه منبعا للحكمة الأولى والمعرفة الأولى وتظهر هذه النزعة منذ المقدمة التي تؤكد مركزية الإرث العراقي في صناعة الحضارة الإنسانية.
ومن ثم فإن استدعاء كلكامش لا يأتي بدافع النوستالجيا التاريخية وإنما بوصفه فعلا ثقافيا مقاوما للنسيان ومحاولة لاستعادة الذات العراقية في مواجهة التهميش والتشويه.
كما تطرح الرواية نقدا أخلاقيا حادا للنزعة الاستهلاكية والجشع الإنساني والرغبة في تجاوز الحدود الطبيعية فالخلود هنا يصبح استعارة للطمع البشري وعدم الرضا بما هو متاح.
ولهذا ينتهي كلكامش إلى الاعتراف بفشله حين يكتشف أن الإنسان لا يخلد بطول العمر وإنما بما يتركه من أثر طيب في الآخرين وهذه الخلاصة الأخلاقية تمثل الذروة الفكرية للرواية.
وعلى مستوى البناء الزمني اعتمد النص على الزمن الدائري أكثر من الزمن الخطي فالأحداث تتكرر والتحولات تتشابه والأسئلة تعود بأشكال مختلفة وهو ما يعكس فكرة الدوران داخل متاهة الخلود.
فكلكامش لا يتقدم نحو نهاية واضحة بقدر ما يدور في حلقات متتابعة من التجربة والخيبة والمعرفة.
إن رواية كلكامش عودة الثلث الأخير ليست رواية مغامرة بالمعنى التقليدي وليست إعادة كتابة أمينة للملحمة السومرية وإنما هي رواية تأملية فلسفية تبحث في هشاشة الإنسان وعجزه أمام الزمن.
وقد نجح واثق الجلبي في أن يمنح كلكامش وجها إنسانيا جديدا أكثر ضعفا وأكثر رحمة وأكثر قربا من القارئ المعاصر.
غير أن الرواية وقعت أحيانا في الإفراط التأملي والتكرار الأسلوبي وهيمنة الخطاب الفكري على الفعل الروائي لكن هذه المآخذ لا تنتقص من قيمتها بوصفها تجربة سردية طموحة استطاعت أن تحاور أحد أقدم النصوص الإنسانية وأن تطرح من خلاله أسئلة لا تزال تؤرق الإنسان حتى اليوم.
لقد انتهى كلكامش في هذه الرواية إلى حقيقة لم يدركها في ملحمته الأولى وهي أن الخلود ليس انتصارا على الموت بل انتصارا على الأنانية وأن الإنسان لا يبقى بما يأخذه من العالم بل بما يمنحه له وأن الرحمة التي يتركها في قلوب الآخرين هي الثلث الأخير الذي يستحق العودة إليه لأنه وحده القادر على هزيمة النسيان.
خلاصة الرواية
تقوم رواية كلكامش عودة الثلث الأخير للروائي واثق الجلبي على افتراض تخييلي جريء مفاده أن كلكامش لم تنته حكايته عند ضياع عشبة الخلود كما ورد في الملحمة السومرية بل إنه استطاع الحصول على جزء منها فعاش خلودا مشروطا يجبره على تبديل جلده كل سبع سنوات ليستمر في الحياة عبر العصور.
ينطلق كلكامش في رحلة طويلة تتجاوز حدود المكان والزمن فيتحول من ملك عظيم إلى أجير وفقير وفلاح وزوج وأب ومسافر مجهول الهوية ويشهد تبدل الحضارات وانهيار المدن واندثار الأحبة وتغير الوجوه بينما يبقى هو أسير عمر لا ينتهي.
وخلال رحلته يرافقه كائن الحية التي لم تعد مجرد رمز أسطوري بل تتحول إلى شريك في المحنة ومرآة تعكس جشعه وخوفه وتناقضاته وتدخل معه في حوارات فلسفية طويلة حول الموت والحياة والمعنى والقدر.
يكتشف كلكامش تدريجيا أن الخلود الذي سعى إليه لم يكن نعمة بل لعنة وأن السنوات الطويلة لا تمنح الإنسان السعادة إذا فقد المعنى الحقيقي للوجود ويصل إلى ذروة وعيه حين يعيش تجربة الأسرة البسيطة ويتذوق حب الزوجة وحنان الأبوة فيدرك أن ما كان يبحث عنه طوال حياته كان قريبا منه ولم ينتبه إليه.
وتتحول رحلته من البحث عن الخلود الجسدي إلى البحث عن الحكمة والسكينة والتصالح مع الحقيقة الكبرى وهي أن الموت جزء أصيل من نظام الحياة وليس عدوا ينبغي هزيمته.
رسالة الروائي
تتمثل الرسالة الفكرية والإنسانية التي أراد واثق الجلبي إيصالها في أن الإنسان يخطئ حين يجعل الخلود الجسدي غايته القصوى لأن الرغبة الجامحة في الإفلات من الموت قد تحرمه من عيش الحياة نفسها.
فالخلود الحقيقي لا يتحقق بإطالة العمر ولا بالقفز فوق السنن الطبيعية وإنما يتحقق بالأثر الطيب الذي يتركه الإنسان في الآخرين وبالمحبة التي يمنحها وبالقيم التي يعيش من أجلها.
كما توجه الرواية نقدا واضحا لجشع الإنسان المعاصر الذي يسعى إلى امتلاك كل شيء ويظن أن السعادة تكمن في المزيد من السلطة والمال والقوة بينما تكمن في الحقيقة في البساطة والرحمة والعلاقات الإنسانية الصادقة.
وتؤكد الرواية أن الحكمة لا تولد من الانتصارات بل من الخسارات وأن الألم يمكن أن يكون معلما عظيما يعيد الإنسان إلى جوهره الحقيقي.
الخاتمة
تنتهي الرواية بوصفها رحلة تطهير روحي أكثر من كونها مغامرة أسطورية إذ يعود كلكامش إلى نفسه بعد أن دار طويلا في متاهة الخلود ليعترف بعجزه الإنساني ويكف عن تحدي القدر.
فالبطل الذي أراد أن يهزم الموت يكتشف أن الهزيمة الحقيقية ليست في الموت بل في أن يعيش الإنسان بلا حب وبلا معنى وبلا أثر.
وهكذا يعيد واثق الجلبي صياغة أسطورة كلكامش من جديد ليجعل منها مرثية إنسانية عميقة وسؤالا مفتوحا عن جدوى الوجود مؤكدا أن الثلث الأخير من الإنسان ليس ألوهيته ولا جسده وإنما إنسانيته وأن الخلود الوحيد الممكن هو أن يبقى الإنسان حيا في ذاكرة من أحبهم وفي الخير الذي تركه خلفه بعد رحيله.





