لقد تورط صديقي (ساري أحمد)، وغرق في قدح العصيدة؛ فحُوكِم عُرفيا لخرقه للعرف التقليدي. وأصلُ الحكايةِ تعودُ إلى أنه في (دارفور)، عندما تريدُ الأسرةُ إكرام ضيفٍ عزيز عليها، كالعريس إذا كان زوجًا لابنتهم، أو ضيفٍ قادم من بعيد، أو ضيف شرفٍ لأسرةٍ رفيعةِ الشأن يزورهم للمرة الأولى من إحدى بقاع (السودان) المختلفة، حينها تقوم ربة الأسرة وحكيمتها بإعدادٍ وجبةِ إفطار (مزنكلة) أي مُتقنةٍ، من عصيدةِ الدُخن اللذيذةِ، وملاح التقلية من الشرموطِ الخالص كشر موط غزالٍ أو شرموطِ صيدٍ، وفي أحلك الظروف يكون شرموط البقر، والشرموط هو شرائح اللحم المجففة بعناية.
قبل أنْ توضَع العصيدةُ في (القدح) وهو إناءٌ من خشب الأبنوس الأسود، أو في صحن (الباشري) وهو إناءٌ من الرخام أو الزجاج المطلي كالعاج، أو في صحن (الطلِس) وهو صحن من حديدٍ مطليّ ومزخرفٍ لا يستخدم إلا في المناسبات الخاصة في الريف. فقبل أن توضع العصيدة في الإناء، يوضع أولا إناءٌ أو كأسٌ بحجم صغير في منتصف القدح – الصحن، ويُملأ بعسل النحل الخالص، ثم توضعُ العصيدةُ على القدح – الصحن فيختفي إناء العسل تحتَ عصيدةٍ الدُخن الساخنةِ، ثُمّ يُسكبُ الملاحُ الرهيبُ ملاحُ التقلية – الشرموط، ثم السّمنُ البلدي من الأعلى، فيطفو كأنه القمرُ في ليلةٍ ظلماءَ؛ ما يتسبب بسيلان الريق، وتدفق اللعابِ ريثما تُشتمُ الرائحة الروحانية الرهيبة؛ ما يثيرُ فضولكَ للتذوّق والأكل.
يُشترطُ على الضيفِ أنْ يبدأ بالأكل أولا، ثم من يرافقهُ من ضيوفٍ، ثم الجيران فرَبِّ الأسرة، دون غيرهم من الصبيان الذين يكتفون بخدمة الضراء. فعلى الضيفِ ومرافقيه الاستمرارُ بالأكل من الأعلى حتى الوصول إلى قاع الصحن أو القدح، ومِن ثَمَّ يُخرجُ العسلَ ويمحوهُ من الوجودِ في لذةٍ للأكلينَ.
ثَمّةٌ شروطٌ جزائية في الأكل، أولها وجوبُ أنْ لا تتخطى جبال (الأنديز)، أقصدُ جبلَ العصيدةِ، للمرور مباشرةً إلى إناء أو كأس العسل. إذ لا بُدَ مِن أنْ تلتهمَ العصيدةَ أولاً، كما يلتهم الأسدُ الجائعُ فريستَهُ. وثاني الشروطِ هو إنْ خرقتَ القانونَ العُرفيّ بالذهاب أولاً إلى العسل، أو بالانتهاء من العصيدةِ دون تناول العسل بأكمله – كما في حالة صديقي ساري – فسيقعُ عليكَ الحكمُ مسبقًا، وهو دفعُ غرامةٍ رمزيةٍ تقوم بتقديرها أنتَ، والغرضُ منها تلقينُ الضيف درسًا بأنَّ لمجتمع المستضيف قوانينَ عرفية حتى في الطعام، ولا يُسمحُ بخرقِها مَهْما كانت مكانة وعزةُ الضيفِ.
مَن تورط فعليه الكفارةُ؛ ليتمتعَ بتكرار الدعواتِ، فإن لم تقُمْ بدفع الغرامةِ، فلن تستضيفكَ أسرة أخرى في القريةِ، وهذا هو العرفُ الذي سادَ لآلافِ السنين. ولكن عندما تقومُ بدفع الغرامةِ الرمزيةِ، يُزغردُ الناسُ فرحًا، لا بالغرامةِ، بل مرحبينَ بكَ بين الأهل عزيزًا مباركًا مرفوعَ الرأس ومكرمًا، فالضيفُ يُكرمُ عند النُزُل، ويُكرمُ عند تجاوزه العرفَ التقليديّ، ويُكرمُ عندما يلبي حكمًا تقليديًا رمزيًا… فما أجملك يادارفور،



