حينما تُطبَع المليارات وتُقتَرض الحلول ! / د.حسن جمعة

هيئة التحريرمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
حينما تُطبَع المليارات وتُقتَرض الحلول ! / د.حسن جمعة

بين سندان العجز المالي ومطرقة الخيارات الاقتصادية الصعبة، تقف الحكومة اليوم في منطقة رمادية خطرة وهي تحاول ردم الفجوة في موازنتها العامة..المعادلة المطروحة على طاولة القرار ليست جديدة، لكن تفاصيلها الأخيرة تثير من المخاوف أكثر مما تبث من الطمأنينة.. اقتراض داخلي وخارجي مستمر، يرافقه إجراء استثنائي بطباعة 25 ترليون دينار.

في علم الاقتصاد التقليدي يُنظر إلى الاقتراض كـ “أوكسجين مؤقت” لإنعاش المشاريع الاستثمارية أو عبور أزمة طارئة لكن عندما يتحول القرض إلى وسيلة وحيدة لدفع الرواتب وتغطية النفقات التشغيلية الاستهلاكية، فإننا لا نحل المشكلة، بل نشتري الوقت بفوائد تراكمية ستدفع ثمنها الأجيال القادمة.. الاقتراض الخارجي يرهن جزءاً من القرار الاقتصادي السيادي لإملاءات الجهات الدولية، بينما الاقتراض الداخلي يستنزف السيولة من المصارف المحلية التي كان الأولى بها تمويل القطاع الخاص والمشاريع التنموية.

إن ضخ هذا الحجم الهائل من الكتلة النقدية في السوق دون أن يقابله نمو حقيقي في الإنتاج أو زيادة في احتياطيات العملة الصعبة والمعادن الثمينة، هو أشبه بصب الزيت على نار التضخم. هذه الخطوة، وإن بدت حلاً سحرياً سريعاً لسد عجز الموازنة على الورق، إلا أنها تحمل في طياتها تآكلاً مخيفاً للقوة الشرائية للمواطن. ببساطة: سيمتلك الناس دنانير أكثر، لكنهم سيشترون بها سلعاً أقل واثارها تكمن في تراجع القوة الشرائية وذوبان القيمة الفعلية للأجور والرواتب أمام ارتفاع الأسعار والضغط على العملة الأجنبي عبر زيادة الطلب على الدولار لأن الاستيراد هو الحاكم بأمره في غياب الإنتاج المحلي.

إن الاستسهال في إيجاد الحلول النقدية عبر الطباعة والاقتراض يعكس غياب الإرادة الحقيقية لتنفيذ إصلاحات هيكلية جذريّة ..والحل المستدام للعجز لا يمر عبر مطابع البنك المركزي ولا عبر بوابات البنوك الدولية بل يمر حتماً عبر خطوات إصلاحية جادة، فالقرارات الشجاعة غالباً ما تكون مؤلمة في المدى القصير لكن القيادة الحقيقية تُقاس بالقدرة على اتخاذ القرار الصحيح وتغليب المصلحة الوطنية العليا على المكاسب الآنية الضيقة.

عاجل !!