تشرين..حين ينطق الوطن | د . حسن جمعة

هيئة التحريرمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
تشرين..حين ينطق الوطن | د . حسن جمعة

على دقات صوت الكرامة وأنين الجراح التي لم تندمل بعد يعود شهر تشرين ليطرق أبواب الذاكرة العراقية بوقع ثقيل ومقدس في آن واحد.. فتتجدد الذكرى وتتراصف الشموع على أرصفة الوعي.. حيث وقف جيل كامل على خط النار والحرية ليخط بدمائه وصوته ملامح وطن أثقلته جراح المحاصصة والفساد.. ولم تكن “ثورة تشرين” 2019 مجرد هبة احتجاجية عابرة تطالب بفرص عمل أو خدمات أساسية بل كانت زلزالاً فكرياً وثقافياً واجتماعياً هزّ جذور المنظومة السياسية التقليدية التي حكمت العراق لعقود، إذ خرج الشباب الذين وُلدوا وترعرعوا بين أنقاض الحروب والأزمات ليقولوا بصوت واحد كفى.. وتجاوزت تشرين الانتماءات الضيقة ورفعت علم العراق وحده فوق ساحات التحرير معلنة ولادة هوية وطنية جامعة تنبذ الطائفية والمناطقية، وتحولت الساحات إلى مساحات مصغرة للوطن الذي يحلمون به ولا يمكن استذكار تشرين دون الوقوف بخشوع أمام قوافل الشهداء والجرحى والمغيبين أولئك الذين قدموا أرواحهم رخيصة على مذبح الحرية، فقد دفعت الساحات ثمناً باهظاً من دماء أبنائها وبناتها وواجهت رصاص القمع وغياب العدالة بكثير من الصبر والإصرار.. إن هذه التضحيات الجليلة تمثل ديناً في رقبة كل عراقي حر ووصية خالدة بأن التراجع لم يعد خياراً، فالوفاء للشهداء لا يكون بالبكاء على الأطلال بل بحماية الوعي ومواصلة النضال السلمي والديمقراطي من أجل بناء دولة تليق بتضحياتهم.. ومع مرور السنوات يدرك الجميع أن التغيير الجذري مسار شاق وطويل وليس حدثاً عابراً يُحسم في ليلة وضحاها، فقد أفرزت تشرين واقعاً سياسياً واجتماعياً جديداً سقط فيه جدار الخوف الأبدي وتشكّل جيل واعٍ ومسؤول يراقب ويحاسب ولا يرضى بأنصاف الحلول.. والشباب اليوم هم ضمانة المستقبل، وهم يثبتون باستمرار أن شعلة تشرين لا يمكن أن تنطفئ لأنها انطلقت من أعماق الحاجة الإنسانية للعدالة والكرامة.. وفي ذكرى تشرين، نقف إجلالا لصناع الأمل وأبطال التغيير، ويبقى السؤال معلقاً في سماء الوطن: كيف نحمي هذه الروح ونحول أحلام الشهداء إلى واقع ملموس؟ ..العراق يستحق الأفضل، وتشرين ليس مجرد ذكرى عابرة بل هو البداية الحقيقية لوطن نعيش فيه ولا نعيش غرباء عنه.

عاجل !!