من البدع السياسية والإعلامية التي رُوّجت بعد عام 2003 ولا سيما عبر بعض المؤسسات الإعلامية المعادية للعراق وشعبه أن من يحكم العراق هم الشيعة وحدهم وللأسف انجرّ كثيرون وراء هذه الرواية حتى تحوّلت إلى حقيقة راسخة في أذهان البعض رغم أنها لا تعكس حقيقة المشهد السياسي العراقي بكل تفاصيله.
الحقيقة أن جميع المكوّنات العراقية تشارك في السلطة من شيعة وسنّة وكرد وغيرهم لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الطوائف والأعراق بل في الأحزاب التي تتصدّر المشهد السياسي وفي طبيعة ولاءاتها ومشاريعها ومصالحها.
وخلّوني أحچي بصراحة رغم أنني أمقت الحديث بهذه التسميات الطائفية والقومية لأنني أؤمن بأن العراق أكبر من أن يُختزل في هويات ضيّقة.
أحزاب سنّية في السلطة ترتبط بمصالح وعلاقات مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا والولايات المتحدة وأحزاب شيعية ترتبط بإيران فيما ترتبط أحزاب كردية بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل ضمن شبكة معقّدة من المصالح والتحالفات الإقليمية والدولية.
وهنا لا بد من التمييز بين العلاقات السياسية والدبلوماسية الطبيعية التي تقيمها الدول وبين التبعية السياسية التي تجعل مصلحة الخارج تتقدّم على مصلحة الوطن.
المشكلة ليست في أن يكون للحزب علاقة مع دولة أخرى،ط بل في أن تصبح إرادة تلك الدولة أقوى من إرادة العراق وأن تتحوّل السلطة إلى وسيلة لخدمة المصالح الخارجية بدلاً من خدمة الشعب العراقي.
لقد أسهمت التدخلات الخارجية إلى جانب سياسات الأحزاب الحاكمة في ترسيخ الانقسامات الطائفية والقومية والطبقية وتحويل الانتماء السياسي لدى قطاعات من المجتمع إلى امتداد لصراعات إقليمية لا ناقة للعراقيين فيها ولا جمل.
والنتيجة أن العراق بما يمتلكه من ثروات بشرية وطبيعية وموقع استراتيجي وإمكانات اقتصادية وعسكرية ما زال عاجزاً عن توظيف قدراته بالشكل الذي يليق به.
ولو أُحسن استثمار هذه الإمكانات ووُضعت مصلحة العراق فوق المصالح الحزبية والفئوية والخارجية لكان قادراً على أن يكون قوة اقتصادية وسياسية مؤثرة في المنطقة لكن عراقاً مستقراً قوياً مستقلاً بقراره وقادراً على إدارة ثرواته قد لا ينسجم مع حسابات بعض القوى التي تفضّل بقاءه ساحةً للصراع والنفوذ أما الخاسر الأكبر فهو الشعب العراقي المغلوب على أمره ذلك الشعب الذي يدفع ثمن صراعات الأحزاب ويتحمّل نتائج الفساد وسوء الإدارة ويُترك بين خطابات طائفية مضلّلة توظّف الدين لخدمة السياسة وقرارات سياسية لا تضع مصلحته في مقدمة أولوياتها.
وما يزيد المشهد تعقيداً أن بعض الجهات تستثمر في عقول البسطاء وتستغل العاطفة الدينية والمذهبية لتكريس نفوذها حتى يصبح الدفاع عن الحزب دفاعاً عن الطائفة ويصبح انتقاد المسؤول وكأنه استهداف لمكوّن بأكمله !
وهنا تكمن إحدى أخطر مشكلات العراق حين يصبح الولاء للحزب أو الزعيم أو الطائفة مقدّماً على الولاء للوطن وحين يُحاسَب المواطن على هويته بينما يفلت المسؤول من المحاسبة على فشله وفساده.
إن الخلاص لا يبدأ باستبدال طائفة بأخرى ولا بإقصاء مكوّن لحساب مكوّن آخر ولا باستبدال تبعية خارجية بأخرى بل يبدأ بالتخلّص من منظومة المحاصصة والفساد والتبعية وبناء دولة المواطنة والقانون والمؤسسات التي يكون فيها معيار المسؤولية هو الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة الناس.
ولهذا أقول: متى ما تخلّص العراق من منظومة الأحزاب الفاشلة والفاسدة ومن كل من يقدّم مصالحه الحزبية وولاءاته الخارجية على مصلحة الوطن فسيكون قادراً على استعادة عافيته وبناء مستقبله.
لكن يبقى السؤال الأصعب:
إذا كانت الانتماءات الحزبية والطائفية والقومية قد ترسّخت في المجتمع إلى هذا الحد وأصبح بعض الناس يدافعون عن أحزابهم حتى على حساب مصالحهم ومصالح أبنائهم فكيف يمكن للعراق أن يتحرّر من هذه المنظومة ؟
كيف نستعيد وطناً أصبح فيه الانتماء للحزب أقوى من الانتماء للعراق وأصبحت فيه هوية المسؤول أهم من أفعاله وولاءاته أهم من إنجازاته ؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل كل عراقي حريص على مستقبل بلده.



